زها حديد .. البصمة الخالدة

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    زها حديد .. البصمة الخالدة

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء أبريل 26, 2016 4:12 pm

    العرب باسم فرات [نُشر في 06/04/2016، العدد: 10237، ص(14)]
    رحلتْ زها حديد ولم تحققْ أَحلامي، أنا الأعزلُ إلاّ من الأحلامِ، ضحيةُ عصاباتٍ قَتلةٍ ولصوصٍ تسيطرُ على بلدي منذُ خمسينَ سنةً تقريبًا، كنتُ أحلم أنْ تتركَ المعماريةُ العراقيةُ، بصمتَها في كلِّ مدينةٍ عراقيةٍ، وأَمَّا في بغدادَ ففي كلَّ حيٍّ من أحيائهِ التي بعضُها أكبرُ من مدنٍ كاملةٍ، وأغلبُها أكثرُ كثافةٍ سكانيَّةٍ من بلداتٍ يجلِّلُها الحزنُ والفقرُ وسوءُ الخدماتِ.
    لنْ أضيفَ شيئًا جديدًا لما كُتبَ عنها، ولكني لاحظتُ ثمَّةَ عراقيينَ، راحوا في تعليقاتِهم يجرِّدونها من عراقيتِّها، متهمينَ إِيَّاها بأنها لا تفقهُ العربيةَ واللهجةَ العراقيَّةَ، وكأنَّهم لا يختلفونَ عن التكفيريينَ مِمَّنْ أشركوا بالله وصاروا يوزعونَ الناسَ على الجنةِ والنَّارِ بحسبِ أمزجتِهمْ، ولا يختلفونَ عن نظامِ صدَّامِ حسين، حينَ راح يربطُ المواطنةَ والوطنيةَ وحبَّ الوطنِ بالولاءِ لرأسِ النظامِ.
    يحاولُ معظمُ الناسِ، أنْ يُرْبكوكَ، أنْ يخرجُوك من "الـمِـلّةِ" مِلَّتهم لأنك ترفضُ أنْ تعبدَ أوثانَهم، ترفضُ أنْ تَحذُوا حذْوَهم، وهم يريدونكَ أنْ تفعلَ حَدَّ وَقَع الحافرِ على الحافرِ، وأنت تريدُ الانطلاقَ نحو فضاءاتِ أحلامِكَ الخاصَّة، وأنْ تُعبِّدَ طريقَكَ الخاصَّ، بل وتبني مدينتَكَ الخاصَّةَ وعالمَك الخاصَّ، ترفضُ أنْ تُقلّدَ لأنكَ تأْبى السجودَ لأوثانِهم، فلا يجدونَ سِوى التكفيرِ، رميكَ بالمروقِ والجحودِ والهرطقةِ، وهكذا رُمِيَتْ زَها حَديد، مَرَّةً من قِبلَ أولئكَ الذينَ لم يحترمُوا حتَّى جثمانَها الذي لم يغادرْ ثلاجةَ المشْفَى، فسخِرُوا مِمَّنْ احْتَفى أو تَألمَ لرحيلِها المبكرِ وهي في أَوْجِ وعزِّ عطائِها ومجدِها.
    ومرَّة من قِبَلَ حكوماتِ بلدِها العراق -على اختلافِ وتَضادِّ سياساتِها وتوجهاتِها- التي لم تُعِرْها أهميةً فتحتفي بها في حياتِها. ولا أظنُّها ستحتفي بها بعدَ موتِها، أي بتسميةِ شارعٍ ومُتَنَزَّهٍ وساحةٍ على اسمِها وقاعةٍ في كليةِ الهندسةِ المعماريَّةِ، واعتبارَها رمزًا عراقيًّا فتتمُّ دراسةَ منجزِها وإقامةَ مؤتمرٍ خاصٍّ تُقدَّم فيه البحوثُ والدراساتُ، لاستلهامِ تجربتِها الرائدةِ، لتكونَ محفزًا للأجيالِ، حتى يستمرَ العراقُ بالعطاءِ وإنجابِ عظماءَ بعظمةِ فقيدةِ العراقِ الكبيرةِ وفقيدةِ العِمَارةِ العالميَّةِ.
    زَها حديد، أنموذجاً لمنْ يخلصُ لهوايتهِ وهوسهِ وشغفهِ، فيتحوَّلَ العملُ إلى متعةٍ وسياحةٍ ومعرفةٍ واسترخاءٍ واستجمامٍ وفرحٍ طفوليٍّ. كانتْ تجدُ نفسَها في التفرُّدِ والإبداعِ الموثَّقِ ببصمتِها، كانتْ طرازًا خاصًّا، ولأنها وَعَتْ منذ البداياتِ، أنْ التقليدَ والاستنساخَ والتأثرَ مثلثُ الموتِ للإنسانِ، ومثلما ليسَ شاعراً مَن ليسَ لديه بصمتهُ الخاصُّةُ، وتفرُّدهُ وأسلوبهُ، لأنَّ ما كتبهً ويكتبهُ ليسَ سوى نسخةٍ مشوّهةٍ عن أصلٍ أصيلٍ، كذلكَ التقليدُفي العِمَارة وفي بقيةِ المهاراتِ، علميةٍ وفنيةٍ، عمليةٍ ونظريةٍ، ماديةٍ وروحيةٍ، الابتكارُ المتفرِّدُ، هَمٌّ يُؤرِّقُ المبدعينَ الخلاقينَ المميزينَ فقطْ.
    عندما قرأتُ معاناتَها مع النظرةِ الذكوريَّةِ التي يصطبغُ بها المجتمعُ المعماريُّ اللندنيُّ، والذي لا يرى في المرأةِ سوى مصممةِ ديكوراتٍ داخليةٍ، أيقنتُ أنْ طريقَ النجاحِ حتى في لندنَ نفسِها، محفوفٌ بالمخاطرِ والحسدِ والغَيْرةِ، بل إنَّ المنافسينَ لا يتورعونَ عن استحضارِ كلِّ ما يُغري نرجسيتَهم، وبهذا توصمُ المرأةُ الناجحةُ، أنها جيدةٌ لأمورٍ أخرى، وفي حالةِ الراحلةِ الكبيرةِ، التصميمُ الداخليُّ، وربما لا نبتعدُ عن الحقيقةِ لو اعتقدنا أنَّ الرجلَ الذي يعاملُ زوجتَه بكلِّ رقيٍّ، يتحوَّلُ إلى محافظٍ تقليديٍّ قادمٍ من القرونِ المظلمةِ، لو نافستهُ امرأةٌ ولم يستطعْ ترويضَها، أو اللحاقَ بها، ولولا خَشْيتهُ لاستحضرَ تاريخَ أسلافهِ السلبيَّ والمعتمَ في كلِّ ما يخصُّ غريمهِ، لأنَّ جُرحَ نرجسيةِ ذكورتهِ يحوِّلهُ إلى ثورٍ تَلقَى طعناتٍ لا حصرَ لها.
    مُعاناةُ زها حديد في لندنَ، التي وباعتقادِها أقلَّ إيجابيةً في نظرِتها للمرأةِ عن بقيةِ المدنِ الغربيةِ، فيما يخصُّ العِمَارة، هي معاناةُ كلِّ ناجحٍ، ولا أَراني أُجانبُ الحقيقةَ كثيرًا لو قلتُ إنَّ هذهِ المعاناةَ كانتْ ستلاحقُها لو أنَّها عاشتْ في باريسَ أو كوبنهاغنَ أو برلينَ أو أوسلو أو أمستردامَ أو سِواهَا من المدنِ في العالمِ، فلا بُدَّ للنجاحِ منْ ضريبةٍ، ولا بُدَّ لضعفاءَ يملأُ الحسدُ والحقدُ والغيرةُ قلوبَهم وعيونَهم وعقولَهم.
    مِنْ عادةِ الشعوبِ والدولِ، أنْ تتبنَّى العمالقةَ والنجومَ والكفاءاتِ المتفرِّدةَ، بعدَ رحيلِهم، بِعبارةِ أُخرى، أنَّ العمالقةَ في العلومِ والفنونِ والآدابِ والرياضةِ، حتى لو واجهوا جحودًا من حكوماتِهم، فإنَّ رحيلَهم مناسبةٌ للتعويضِ، ولو كانَ هؤلاءِ العمالقةُ قد توزَّعوا بينِ دولتينِ، فَكِلا الدولتينِ وشعبيْهِما ينسبُهم إليه مفتخِرًا بهم، فهلْ سنشهدُ نزاعًا عراقيَّاً بريطانيَّاً حولَ هُويَّةِ و "عائديَّةِ" المعماريةِ الأشهرِ في العالمِ؟ سؤالٌ راودني على الرَّغْمِ ممَّا قرأتهُ من سلبيةِ بعضِ العراقيينَ تِجاهَها.

    العرب باسم فرات [نُشر في 06/04/2016، العدد: 10237، ص(14)]
    صحيفة العرب اللندنية
    http://www.alarab.co.uk/?id=77155

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 9:03 am