شاكر نوري: بطاقة إقامة في برج بابل.. يوميات باريس

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    شاكر نوري: بطاقة إقامة في برج بابل.. يوميات باريس

    مُساهمة  Admin في الخميس مايو 26, 2016 12:43 am

    العرب. باسم فرات [نُشر في 18/05/2016، العدد: 10279، ص(14)]
    هذا كتاب أرى أن اقتناءه وقراءته قبل التوجه لباريس يعد ضروريًّا، فهو يكشف لنا باريس على الورق، مما يمنحنا فرصة ثمينة للتعرف على معالمها بشكل جيد إن لم يكن ممتازًا. ناهيك عن أسلوبه الصحفي– السردي الشيّق، أَوَلَيسَ شاكر نوري هو الصحفي المميز والروائي المجتهد، صاحب الحوارات المميزة والتي كنتُ أجد متعة معرفية كبيرة وأنا أقرؤها، فهو يسبر غور الكاتب ويستخرج منه ما ينفع القرّاء، وهذه المتعة ذاتها وجدتها وأنا أقرأ هذا الكتاب الذي سامرني على امتداد رحلتي الجوية من عمان إلى المنامة فدبي ففرانكفورت فهيوستن، ثم أخيرًا كيتو عاصمة الأكوادور حيث أعيش، فسلاسة جمله وكتابته التي تشعرني أنه يجلس أمامي على الطاولة ويتحدث عن باريس التي أحبها، تمنح الدفء في كلماته فأبعدت عني الملل.
    يقودنا الكتاب الذي يتكون من 202 مئتين وصفحتين، بدءًا من مقدمته إلى التأكيد على أن باريس تثير شهوة الكتابة لأنها مدينة أسطورية كما أثينا وروما أو بغداد أو أسطنبول التي توحّدت بفناراتها المضيئة في التاريخ ذات مرة، لها مدفن عظمائها وأقواس نصرها وأعمدتها الرخامية وخرائبها المندثرة مثل مدينة القياصرة. ولها أبطالها وجزرها الصغيرة مثل إسبرطة. ولها تناقضاتها الطبقية مثل الهند. ولها روادها مثل ألمانيا. ولها حريمها مثل القسطنطينية. ولها كرنفالها مثل البندقية. ولها تنيناتها مثل جزيرة كريت. ولها مدمنوها مثل آكلي الأفيون في الصين. ولها قصورها مثل جنوى. ولها مصانعها مثل مانشستر. ولها هنودها الحمر مثل أمريكا. ولها دراويشها مثل بغداد: برج بابل تلتقي فيه كل الأجناس والأديان والعلوم والفلسفات والصناعات والفنون دون أن يحاول الإنسان أو الإله توحيدها.
    بعد المقدمة تبدأ قصة باريس من جزيرة لاستيه، التي تأسست على يد الصيادين والبحارة قبل الميلاد بثلاثة آلاف عام، ولكنها بدأت في التكون عام 250 قبل الميلاد على يد الباريزي وهم قبيلة سلتية. ومن أسماء باريس أرض المستنقعات، والتي ظهر اسمها "باريس" بعد أن اكتسحت جيوش الهانيين والفرامكيين لأراضي لوتيتيا؛ مما أجبر سكانها على التراجع إلى داخل جزيرة لاستيه المُحصّنَة، وصارت المدينة تُعرف باسم باريس. وفي "شعراء خطوا تاريخها بدمائهم وقصائدهم" يقودني في رحلة مدهشة مع شعراء وأدباء وفلاسفة عاشوا أو مروا بالمدينة، حيث قامت الحكومة بِرَدّ الجميل لهم بتسجيل أسمائهم على لوحات رخامية ووضعها أعلى البنايات، ثم يورد حادثتين طريفتين الأول أن لندن ونيويورك رفضتا نشر رواية "يوليسيس" فلجأ عبقري الرواية العالمية جيمس جويس إلى صديقه جورج وايتمان صاحب مكتبة جورج آند كومباني، لترى النور في عاصمة النور بينما لندن ونيويورك اللتان تتحدثان لغة الرواية رفضتاها. وأمّا الحادثة الثانية فهي عندما احتل الألمان باريس، وقام الجنود الألمان باقتحام إحدى محطات القطار، أمرهم قائدهم بشراء تذاكر الدخول.
    "نهر السين ملهم الرسامين" ذو السبعة والثلاثين جسرًا تربط بين ضفتيه، والذي ينبع من منطقة بورغوندي ويصبّ في القناة الإنجليزية المانش. هذا النهر الذي أغرى رسامين- كما أغرى غيرهم- يمتاز بالضيق مقارنة بالتايمز والدانوب العريضين، وممن رسمه أوغست رينوار وكلود مونيه وغوستاف كاييبوت، والنهر الذي يشق المدينة إلى نصفين يُعد نقطة جذب كبيرة. وفي "مصابيح الكيروسين تضيء ظلمات باريس" يصحبنا في جولة في ليل باريس وأعمدتها الكهربائية وأنابيب مجاريها التي أنشئت في القرن التاسع عشر وطولها يزيد على ألفي كيلو متر، أي ما يعادل المسافة بين باريس وأسطنبول، ونطل على تاريخها وأدبها وأدبائها ومبانيها القديمة، ثم يأخذنا في جولة في البانتيون "مقبرة عظماء الأمة الفرنسية" حيث تتصدرها جملة مشعة وخالدة "الوطن يعترف بفضل العظماء" وتاريخ هذا المبنى يختزل صراعات فرنسا. ثم ينقلنا الكاتب إلى جامعة السربون التي هي أهم مفاخر فرنسا، لنتعرف عليها، وعلى الحضور العربي فيها، ويقودنا في "عربات زرقاء في أنفاق ليلكية" برحلة معرفة لمواصلات باريس قديمها وحديثها، تمنحنها القدرة على تخيل المشهد، ثم نتعرف على مَعْلَم مهم من معالم باريس عبر فصل "محطة أورسيّ القديمة تعيد أمجاد الفن" لينتقل إلى "المقاهي الأدبية، سُرة باريس ومفترق مصائر الأدباء" فنتعرف على هذه المقاهي وهي أحد أهم معالم باريس، ومن خلالها عن التاريخ الثقافي لباريس وربما فرنسا، وعن نجوم في الأدب والفكر الذين طالما راودوا مخيلتنا حين تعرفنا على أسمائهم ونتاجاتهم ونحن نتلمس بداياتنا، فلم يكون نجوم التمثيل والغناء والرياضة هم نجومي المفضلين بل نجوم الأدب والفكر، وبقدر ما كنت مهووسًا بالشعراء كذلك كنتُ مهووسًا بالفلاسفة والروائيين والنقاد والمسرحيين. وقد ذكر الكاتب هذه الجملة في الصفحة 118 "ففي مقهى أثينا كان يتواجد كل من الرسامين ديغا ورينوار وبيكاسو الذين كانوا يتنافسون في الفن بسنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن التاسع عشر" انتهى، وإذا كان هذا الكلام ينطبق على ديغا ورينوار؛ لأن الأول ولد عام 1834 والثاني عام 1841؛ فإن بيكاسو ولد نهاية 1881، فكيف كان يتنافس معهما في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر؟.
    "الكوميدي فرانسيز.. إمبراطورية تقاوم الزمن" في هذا الفصل سياحة معرفية ممتعة مع موليير والمسرح والممثلين الذين يقضون حياتهم بأكملها في حماسة الشباب وحتى إنجاز أوراق التقاعد، لنقرأ بعده عن فندق "ريترز" حيث بروست وفيتجرالد وهمنغواي وكوكتو وشانيل وموران وتشرشل وكوليت ومادونا وديانا وغيرهم؛ الذين تركوا أثرهم في هذا الفندق الشهير. وفي "عدسة وودي ألن وأصداء أغنيات أديث بياف" ثمة متعة ونحن نتعرف على باريس من خلال نبيذها، وودي ألين وفيلمه "منتصف الليل في باريس"، وكذلك أيقونة الغناء الفرنسي أديب بياف منذ طفولتها وحتى استسلامها للمخدرات وموتها في السابعة والأربعين من العمر. ثم ينقلنا إلى معلم آخر من معالم باريس، ألا وهو مسرح "لاهوشيت" الذي أخذ اسمه من الشارع الضيق الذي يقع فيه المسرح الذي يعد أصغر مسارح باريس ولكنه الأشهر عالميًّا ولا يحتوي إلا على مائة مقعد ولا يعرض سوى مسرحيتين ليوجين يونيسكو، "المغنية الصلعاء" و "الدرس" منذ نهاية الخمسينيات وبنجاح منقطع النظير، وفي "علي بابا يعانق مارلين مونرو" يقودني لنتعرف على "السينماتيك" أو دار السينما الذي يُسمى قصر "شابو" هنا رحلة لأكبر مكتبة فيلمية في العالم وكل ما يخص السينما ابتداءً من ولادة الفن السابع على يد الأخوين لوميير الفرنسيين، وقد تأسس المتحف بجهود شخصية على يد هنري لانغلوا.
    "قطرة الذهب.. حيّ باريسي مفاتيحه بيد العرب"، ففي أعقاب الحرب العالمية الأولى بدأت الهجرة لهذا الحيّ، لتزداد بعد الحرب العالمية الثانية من المستعمرات الفرنسية، حيث جاءت بهم الحكومة الفرنسية ووعدتهم بالجنة لإعادة بناء فرنسا التي هدّمتها الحرب، ولم تتوقف الهجرة رغم أن قوانينها تضيق يومًا بعد آخر، هؤلاء العمال أسسوا أحياءهم مثل "بيلفيل، باربيس وغوت دور" وغيرها. إنها قصة الحلم لمهاجرين بواقع أفضل من بلدانهم. وفي "أبنية ميتران تصدم أذواق الفرنسيين" نتعرف على الطرز المعمارية الحديثة وعادة الملوك والرؤساء الفرنسيين في إضافة عدد من الأبنية الثقافية، لينهي الكتاب بفصل "التاريخ يولد في قصر فرساي" وفيه تعريف وافٍ بهذا القصر الشهير بنافوراته وزهوره التي بلغت مليون ونصف المليون زهرة.
    بعد هذه الجولة لابد من القول إن الكتاب في أغلبه أشعرني بأنه تحقيقات صحفية أكثر منها يوميات، رغم أن بعض فصوله يبرز كاتب اليوميات، لكنه يبقى كتابًا لا غنى عنه لمن يريد أن يزور باريس ويتعرف عليها إن كان على الورق فقط أو يجسد ما يقرؤه عمليًّا.
    صحيفة العرب اللندنية
    العرب. باسم فرات [نُشر في 18/05/2016، العدد: 10279، ص(14)]
    http://www.alarab.co.uk/?id=80495

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 9:05 am