النخبة العربية الضائعة فرطت في ربيع شعوبها

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    النخبة العربية الضائعة فرطت في ربيع شعوبها

    مُساهمة  Admin في الإثنين مايو 30, 2016 12:36 am


    العرب. باسم فرات [نُشر في 30/05/2016، العدد: 10291، ص(14)]
    الحديث عن ثقافة النخبة وثقافة الناس، من قبل النخبة نفسها، عادة ما يصطدم بتيارين، الأول المتعالي الذي يصرّ على أن الناس لا يمكنها فهم النخبة، وأنها تصر على البقاء في القاع، والثاني الذي يدعو للنزول للناس حتى يفقد خصوصيته ولا يكتب إلاّ ما يريده الجمهور. نحن حين نتحدث عن أنفسنا وعن الجماهير، بينما كما هي العادة لا رأي للجماهير، فنحن الحكم والشاهد والادعاء العام ولا صوت للجماهير سوى تعليقات كانت في المقاهي والبيوت والجلسات الخاصة ثم تحولت بفضل مواقع التواصل الاجتماعي إلى العلن. ومن هنا عالج الملف "ثقافة النخبة وثقافة الناس" والفجوة بينهما بعيدًا عن الرقابة التي تسللت من دوائر الرقيب إلى دماغ الكاتب، وإثارة القضية بحسٍّ نقديٍّ، وفي السطور أدناه تحاول هذه المداخلة خلق سجال ومراجعة نقدية.
    بداية نجد أن زاوية النظر عند السوري إبراهيم الجبين، ترى أن النخبة ما زالت تمسك بكأس نبيذها، في صومعة ونظرتها للشارع لم تتغير، بحيث إن عنوان مقالته "هل سيحكمنا الرعاع" فيه دقة واضحة، وأراني إذ أميل إلى ما ذكره خزعل الماجدي من أن ثمة ثقافتين لا يمكن نكرانهما والتغاضي عنهما، وهما ثقافة النخبة وهي ثقافة الأقلية، أي التي تقود الرأي العام والمجتمع، والثانية ثقافة الأغلبية أي الشعبية، وهي المعبر الحقيقي للمجتمع وحاجاته وفطرته، وهي نهر دافق يجب الاغتسال به من قبل الجميع بما فيهم النخبة. لكن رأي الماجدي في أن هذه النخبة تفاعلت وانخرطت بالربيع العربي، لا أميل له حيث كشف هذا الربيع أن النخبة كما ذكر إبراهيم الجبين أعلاه، لكن تأكيد الماجدي في ختام مقالته على ضرورة الليبرالية كما الديمقراطية وأنها تصون الأخيرة كلام دقيق وشاهده ما يجري في بعض البلدان التي تدعي الديمقراطية ولكن الليبرالية غائبة عنها كما في العراق وإيران.
    في "النخب العربية وضياع فرصة "الربيع"" يفتتح خطار أبودياب مقالته بأن الشرق الأوسط في العقد الأول من الألفية كان خاضعًا لتجاذبات دولية وإقليمية همشت العالم العربي، لكن ألم يكن العالم العربي مهمشًا خصوصًا بعد سنة 1991؟
    أعتقد أن فشل المشروع القومي العربي ليس لافتقاده للديمقراطية والتمثيلية كأدواتٍ صالحةٍ للحكم فقط، وإنما لتحول هذا المشروع من مشروع عربيّ الثقافة يعتز بتنوعه وَبِدَوْرِ غير العرب في حضارته وأن الأقليات هي مصدر ثرائه، إلى مشروع عنصري يقصي غير العرب، وتراجع كثيرًا باستيلاء الضباط على مقاليد الحكم فتتحول البلاد إلى مزرعة للحاكم وتأسيس ثقافة التوريث، أي بدعة الجمهوريات الملكية،
    أرى أن غياب دور النخبة في قيادة "الربيع العربي" نتيجة طبيعية لعدة عوامل يقف في مقدمتها التغييب القسري الذي مارسته الأنظمة "الوطنية" لهذه النخبة، وإضعاف الطبقة المتوسطة، سوء مناهج التعليم، السيطرة على وسائل الإعلام وإفقار النخبة المثقفة وجعلها بحاجة ماسة للعمل ضمن شروط وضوابط الأنظمة لسداد لقمة العيش، وهذه العوامل وغيرها لا تعفي النخبة مما آل إليه الوضع، فتعاليها على الجماهير واستئناسها باحتساء كأس المعرفة في أبراجٍ عاجية، زاد من تفاقم الوضع

    يستغرب الكاتب السوري يحيى العريضي من بروز ظاهرة محمد الماغوط وزكريا تامر في وطن سقف ارتفاعه معدة الإنسان، وهو ما لاحظته عند العراقيين على اعتبار أن كلا البلدين تعرضا لحكم حزب البعث لأكثر من ثلاثة عقود، فيستغربون- أعني العراقيين- من ظاهرة بروز مبدعين وقامات ثقافية وعلمية، وشخصيًّا أعتقد أن هذا لا علاقة له بالحكومات وإنما العمق التاريخي الحضاري لسورية والعراق هو الذي أنجب هؤلاء، وذات الأمر مع جميع المنجزات الحضارية والوطنية كتأميم النفط ومجانية التعليم وإلزامية التعليم والبناء، فهي نتيجة نضال الشعب وليس الأنظمة. أما عن النخبة السورية فهو إذ ينهي مقالته متسائلاً أهو ضياع النخبة أم نخبة الضياع، يعتبر أي محاولة للقفز فوق الفعل الشعبي والعفوي الثوري وأدوات تعبيره البسيطة الجبارة -لغة ومسلكًا- محفوفة بنهاية فجائعية أدبيًّا أو فلسيًّا أو فنيًّا أو فكريًّا. إن مقالة يحيى العريضي قادتني للمقارنة بين البلدين في أكثر من طرح من طروحاته، فلقد كان إهداء الكتب لصدام حسين واعتبار أي قرار منه مكرمة كبيرة للشعب، حتى راح الشعب في المقابل يعبر بطرافة عن سخريته من الواقع المرير بالقول إن السيد الرئيس القائد صدام حسين أمر بإطلاق كميات غير محدودة من الهواء للعراقيين.
    الحملة الإيمانية التي قادها صدام حسين وبناء جامع الدولة الكبير الذي أريد منه أن يكون الأكبر في العالم الإسلامي كما تناقل الناس، لا أظنها تختلف عن حملة إشادة أكبر عدد من المساجد من أي دولة إسلامية وانتشار عملية تحفيظ القرآن الكريم بشكل منقطع النظير، ولا تختلف الحملة الإيمانية تلك عن عملية التحفيظ في سورية من خلال ما ذكره الكاتب. الأنظمة الشمولية لا يمكنها أن تخلق أجيالاً تعي جوهر الانفتاح والتنوع وتحليل الخطاب وتفكيك الظواهر، بل تريد نخبة توافق على كل شيء وتبدي الرأي الذي يريده الحاكم لا الرأي الذي تراه النخبة.
    خالد قطب الكاتب المصري، يتناول التزييف الذي تمارسه النخبة في فرض آرائها، فهي إضافة لنرجسيتها مستبدّة، تلوك جملاً وعباراتٍ غامضة على الأقل بالنسبة لغالبية الناس، والانتقائية في الاستشهادات التاريخية أو سواها، ولكن تبقى النخب الثلاث وهي المتأسلمة (الإسلام السياسي) والسياسية والعسكرية، هي الأكثر تخريبًا لمجتمعاتنا وخلق الفتنة، وهي التي يصحّ عليها استشهاد الكاتب بقصة فرنسيس بيكون، وهو ما عانيناه ومازلنا رغم ثورة الاتصالات المعلوماتية التي خففت كثيرًا، ولكن أغلب الناس لم يتخلصوا من تأثيرات رجال الدين الذين جعلوا من هذه الثورة المعلوماتية وسيلة لبثّ الكراهية حيث راحت الفتاوى بالمجان تتلى على مسامعنا بلا قيد ولا شرط، وهذا القول لا يعدم فقهاء حافظوا على كياسة الفقيه وزهده وتقواه.
    يرى الكاتب أن التعليم هو الوسيلة الناجعة للتخلص من هيمنة النخبة المستبدة، مع السعي إلى تطوير استراتيجيات وأساليب جديدة في التعليم، بما يجعله مسؤولية اجتماعية يسعى لتحقيق الصالح العام وبالتالي يكون أكثر ديمقراطية، مما يفتح المجال واسعًا أمام انتشار الوعي والمعرفة عند عدد كبير من الناس مما يشكل غالبية، لكن ما ذكره الكاتب خالد قطب يصطدم بحقيقة أن ليس بإمكان الجميع أن يملكوا إمكانيات معرفية كبيرة مما يعني أنه لا بد من وجود النخبة التي هي واقع حال كما أشار له الشاعر والكاتب خزعل الماجدي في مقالته ضمن الملف والتي أشرنا لها أعلاه.
    نستنتج من الملف تباينًا في الآراء مع اتفاق على وجود نخبة، ففي حين يرى الكاتب إبراهيم الجبين أنها نخبة عاجية تمسك بكأس نبيذها وتتساءل "هل سيحكمنا الرعاع" فهي مخدرة بنرجسيتها الفاقعة ومع ذلك تريد قيادة الجماهير لا مشاركة في الهموم بل كقيادة والجماهير رعاع. لكننا نلمس هدوءًا وتصالحًا في طرح الشاعر والكاتب خزعل الماجدي، فهو لا يرى تعارضًا، بل يرى الأمر ضرورة فالنخبة لا يمكن لكل شخص أن يصل لوعيها ومعرفتها وإمكانياتها وهو محق حيث ليس كل مَن درس الفلسفة أصبح مفكرًا ومؤلفاته مفصلية كما محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي وحسام الدين الآلوسي، مثلما ليس كل من درس التاريخ هو جواد علي أو مَن درس الآثار هو طه باقر، واعتزاز الماجدي بالثقافة الشعبية واعتبارها الممثل الحقيقي للمجتمع وهي أساس النخبة أيضًا لأنهم أبناؤها، هو ما يحسب له، ولكن النخبة حسبما أرى لم تؤثر في الشارع العربي.
    ودياب أبو خطار إذ يتفق في أن النخبة أضاعت فرصة الربيع العربي، ولكنه يستدرك في نهاية مقالته أن الفرصة ليست ضائعة تمامًا انطلاقًا من النجاح التونسي المعقول وبداية الاستقرار المصري، وبهذا يدفع الكاتب بالأمل للأمام مع التأكيد على ضرورة تأسيس أحزاب جديدة يتمثل فيها الشباب ومشروع عربي جديد يحيي الحلم العربي في النهضة المؤجلة مرارًا حسب قوله، لكن أليس الروح المحلية "القُطْرية" هي المسيطرة الآن على المشهد في العالم العربي؟ هذا ما آراه. بينما نجد السوري يحيى العريضي ينزف مرارة وهو يتحدث عن وضع في بلاده شخصيًّا شهدته وخبرته في ما يطلق عليه "عراق صدام حسين" وهو ما قاد العراق إلى ما هو عليه، وأخشى أن تقع سورية الحبيبة في ذات المطب، والعريضي اقتصرت مقالته على سورية عكس باقي المقالات التي تحدثت بصورة عامة عن عالم عربي. ويختتم الملف بالمصري خالد قطب أستاذ الفلسفة، مركزًا حديثه على استبداد النخبة ونرجسيتها ومعولاً على التعليم المتجدد والمنفتح كي يتخلص المجتمع مما هو فيه، ومما لا شكّ فيه أن الوسيلة الناجعة للنهوض هو التعليم الحديث وليس التلقيني، وحينها سيكون الربيع العربي حقًّا ربيعًا لا خريفًا صبغه الدم والسبي وحرق الكتب وتدمير الآثار.

    صحيفة العرب اللندنية
    العرب. باسم فرات [نُشر في 30/05/2016، العدد: 10291، ص(14)]
    http://www.alarab.co.uk/?id=81430

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 8:52 am