علي حسن الفواز: باسم فرات ... مآذن الحنين ، وخريف الروح

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 494
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    علي حسن الفواز: باسم فرات ... مآذن الحنين ، وخريف الروح

    مُساهمة  Admin في الأحد أكتوبر 24, 2010 3:40 am

    كتابة في النوستالجيا ،او محاولة في أنسنة الحنين،او ربما هي رغبة في التخفف من وطأة المنفى، باتجاه ان تكون هذه الكتابة محاولة في استحضار الالفة، الفة المكان ومرموزاته وعلاماته التي تفرش لها نصا فاضحا في رؤيته،، والفة الروح الباحثة عن امكنة غائرة ، يستحضرها الشاعر وكأنها رقاه او تعاويذه ، يصطنع لها جسدا ومشغلا لغويا وتفكيريا، يذهب به الى اقصى اليومي والكوني ،، لايضلل الد لالات ،، بل يضعها عند مسافاته المكشوفة للحرب والمنفى والزوال والشهوات ، ولا يبارح لحظته القديمة الطاعنة والعميقة مثل وصايا الامهات..
    هكذا يبدو الشاعر باسم فرات في نصوصه الضاجة بالحنين، والمحتشدة بمرموزات الامكنة ودلالاتها الفائقة ،باحثا عن ركنه الرغبوي الحميم ،،ركن الذات واللذة والدفء المنسوج من خيوط مشدودة الى عوالم الطفولة وفواجع العائلة وغياب الاب ويقظة الام وهي تجفف سيولة احزانها..
    في قصائد باسم فرات لانجد انشدادا الى صناعة موقف من العالم الذي اقترح له الشتات ، بقدر ما نجد يقظة عاتية للروح التي تجلب له المحبوب (امكنة وروائح وقبلات ومآذن وكربلاءات ) نتحسسها بنوع من المكاشفة المرتبطة بفعل الاستحضار ، لكن( الشاعر) كثيرا ما يتمرد عليها صاخبا ، باحثا في طينها الحري وزمنها العالق عن (فيتشات) يتراكب فيها الشبق الفرويدي مع الاحساس العالي بالطهرانية ،يقارب طفولة الحضور وطفولة المعنى مسحوبا الى دهشة عوالمهما ، يتبع رحلته عبر الامكنة المتعددة و الفالتة عن صرامة الزمن وقدريته الفاضحة بنوع من الهوس الذي يعزز احساسه الايهامي بوجودها ، ولعل شعريته تأخذ الكثير من توهجها من خلال( سايكولوجيا) التأمل العميق في هذه الطفولة وافقها الدلالي الذي يحاول ان يتلمس بهجته في مرحلة ما بعد المكان/ الشتات/ الحنين ،،اذ يكون المكان الايهامي المفترض هو مقابل نفس وتعويضي للمكان الغائب الذي يفضي الى الكشف والرؤيا . لغته لاشفرات مركبة لها سوى لحمها الحي ، القصيدة( نصه الشخصاني) تحلم بذاتها وهي منزوعة الاقنعة ، تذهب مباشرة الى المعنى /البهجة ،والمعنى / تجربة التشهي والاستحضار،وربما الى المعنى / المزاج الذي تكشفه الذات الرائية ...
    في مجموعته الشعرية ( خريف المآذن) الصادرة عن دار أزمنة للنشر والتوزيع/ عمان ،،نلمس هذه الكتابة النوساليجية التي تنداح وتتسع في مدّ صوري تتوالى لغته وكأنها محاولة في خلق تمثل لغوي/ صوري يقيم توليفاته الاستعارية على اساس استعادة اللحظة الوجودية صوريا ، تماثلا مع استعادة الصورة ذاتها في بنية لغوية حاشدة بالاستذكارات وتلمساتها في الامكنة القصية ...
    يقيم الشاعر لكتابته طقوسا تبدأ من التوكيد الذي يحاول ان يجعله برهانه الاولي للاستعادة،فهو اذ يستعيد بغداد /المدينة كرمز شمولي لاستعادة الامكنة ، فانه يبدأ من اشارة توكيدية ( ما شئت شئت) لينطلق في فعل الاستعادة عبر جمل فعلية (اسكب) و(اكتب) يفترض فيهما فعل الاستمرارية التي تواجه الصمت الذي يغلف لحظته الوجودية، وكأنه يوحي ان طاقته في انتاج الاستعارات هي لعبة مستمرة في تعرية الامكنة ،واعادة استحضارها عند كل وقفة تقاطع انثياله في الذهاب بعيدا الى سرائر امكنته الاليفة ومواجعه العالقة والناتئة كجرح قديم ...

    ما شئت شئت
    أسكب الفجر في تلمّس ليل غارق بعماه
    أكتب تاريخ جنوبيين فوق عباءة امي
    وعبثا امسح أكفان الايام المنسدلة من شعرها
    مقبرة السنوات تتمدد فوق اسفلت ذاكرة مليئة بندوب الحروب
    حداد يغلّف حيواتنا
    لا اتنفس سوى الخراب
    احاول دون جدوى- ان افتح كوّة فيه
    لا أجدني الاّ انكسارا يشعّ
    أطلّ على الجميع واسرج الافاق تحتي..

    ان القوة الاستعارية التي يعمد اليها باسم فرات تجعله اكثر قدرة على صناعة تركيبات صورية دائبة الحركة وعشوائية الاختيار احيانا ، تعكس حيوية مخياله الشعري والتشكيلي /التصويري وقدرته في مزج تقابلات لغوية مختلفة تتولد عنها دالات صورية تحيل الى رؤية بصرية مثيرة ومهيجة، والى احساس داخلي لاملامح له ، فهو يستحضر( لغة النيازك) و(شهوة ارخبيلات) و(رحم ياقوتة) و(نزيف الطائرات)و ( قهوة المنفى) وغيرها ،، وهذا الاستحضار لايبدو نافرا عن الخاصية البنائية/ التشكيلية للقصائد رغم تجريديته ، اذ يبدو الشاعر عبر اللعبة المفارقة مغامرا في منح رؤاه وصوره طاقات استثنائية يتعمق فيها فعل الحضور وتعالق المختلفات كنوع من تحقيق فعل الخلق وفعل الاثارة في التشكّل الصوري ..
    وفي قصيدة (اقول انثى... ولا اعني كربلاء) يبدو المزاج النوستالجي اكثر حضورا واكثر هيجانا ،اذ يتوسل الشاعر التفاصيل الحسية للمكان لتكونه اعلانه النفسي ولتكون افراغه العارم للمكبوت المشبوب في كيمياء الذاكرة ، تأخذ المدينة/ المكان شكلا لتتبع جريان اللذات بدءا من (عباءة امي ) و( اوقد الغيوم واعرف ان للذكرى قوارير شائكة) وانتهاء ب( اعددت لها قلبي فراشا وصحوت) وهذه التوليفة تؤكد هستيريا الروح التي تصنع لها بالمقابل نوعا من الهستيريا الاستعارية التي تتراكب وتتوالد وتتخالف حتى تبدو القصائد وكانها الجسد ذاته في نوبة شهوانية او نوبة حنين تجعله دون برازخ (يتسارع نحو رمزه ) كما يقول عهد فاضل باحثا عن اعلانه وتوهجه وحلوله في جسدانية المكان / الرمز ، الانوثة / اللذة/ الامتلاء ..

    كيف لي ان اطرد الاشجار
    من رأسي
    ولا تتبعني الزقزقة.
    كيف لي ان اعريّ ابي من الخلافة
    و لايفيض الفرات في يدي
    كيف لي ان اقول انثى
    ولا اعني كربلاء
    واقول مدينة
    ولا تشرئب امي متشحة بكل
    الليل بيضاء
    تقطر الناي في فمي
    وتعيدني الى اول الحكاية)




    ان تكرار الايقاع النفسي للكثير من قصائد المجموعة يقابله تكرار في مفردات ذات محمول توليدي /تعويضي خاصة عبارة (التناسل) وهذا يمنح الجملة الشعرية نوعا من الجريان الى مرموزات الجسد ومرموزات المكان ،والى انسنة المزاج النوستالجي عبر تشظيته التوليدية/ التعويضية في البنية اللغوية . ولعل الا شتغال التعويضي في الشعرية يماثل اشتغال اكثر البنى النفسية توهجا وحضورا في قصائد باسم فرات ، اذ هي شفرة استحضار المرموز/ المحبوب/ دالة المكان ،وهي كذلك القناع الذي يقود الىالانثيال الصوري تورية عن المباشر ، فقناع الاب هو قناع البطل الغائب الشاحب في مقدسه ، وربما هو ايضا قناع العراف الذي يكشف عن ميتا الامكنة وميتا الزمان !!! وهذه التركيبة تسعى كثيرا الى تحرير النص من احتمال موته في التكرار ، لان الشاعر يجد نفسه وحيدا امام لعبة الحنين ، يمارسها بغواية باهرة ، يكشف من خلالها عن توهج وجوده في الامكنة القصية ، وعن شرط وجوده في تتبع اللذة عبر استحضار مقابلاته في الجسد المتعالي / الايهامي ذات الترسيمة الشبقية الغائمة ، وفي استحضار المكان بكل الفته المحتشدة برموز وعلامات التطهير والاشباع ( باب القبلة ، تل الزينبية، الحسينية باب السلالمة، وغيرها )
    في قصيدة (خريف المآذن. ربيع السواد..دمنا) التي اختارها عنوانا لمجموعته ،ثمة بوصلة وجودية توجه نشيد الشاعر ،اذ تبدو القصيدة وكأنها حاملة لطقوس النشيد في توصيف المكونات الانشادية ( تراتيل كهنة وقديسين ،،صلوات شهداء،،تسابيح عشاق الرب،، الملائكة يطوفون،،يشعلون البخور) التي تنفتح لها حواس الشاعر في الصوت والحدس والشمّ ،لتكون باثة لفعل الاستحضار الذي يجعل الشاعر اشبه بالحكيم الذي يكشف عن طلسمية الرؤيا ،ووهج ماتحمله المرموزات( الرايات ،المدن ،الحروب ،المآذن، الابواب، العمائم ) من استعادات تدفعه باتجاه زحمة صورية يتسع فيها المشهد على علامات وتمائم وتراتيل وشفرات ،ربما حاول الشاعر من خلالها ان يجعل لهذه القصيدة / النشيد تنويعا في فعل الرؤيا التي تغوص في الاصل الاشتقاقي لكربلاء ( كربا ئيلو) وكأنه يمارس طقسا تعبديا فيه لذة التعويض وايهام القوة وانوثة العطايا ،وهذا التركيب الدلالي المتعدد الاصوات كنشيد اسطوري قديم يجعل الشاعر امام لامحدودية الشعرية التي تحوز على سحرية( الخيمياء) التي تلامس الجسد اللغوي حتى ينثال الى شظايا من التفاصيل والمعاني والاشارات التي عادة ما يحتشد فيها المكان الطقوسي ،مكان الالفة والحنين بالكثير من الاكتشافات والرعشات الاولى ..

    كربائيلو : سيدة لاتشيخ
    واختلاط حيرة الماء والاعداء معا
    اسم عتيد يتوضأ تاريخا وبطولات
    حزن خال من الضغائن
    رايات بكاء يضيق بها الافق

    ان التقنية البنائية التي اعتمدتها قصائد باسم فرات تكشف عن قدرة في توظيف البنية النثرية تحت ايقاع بلاغي يقوم على اساس التضاد والتراكب في الجملة الشعرية ذات الاستخدام الاستعاري الواضح ، وهذه التقنية لاتعمد الى التوظيف الرأسي الذي كتبت به قصائد المجموعة كايحاء او تحريض على شكل القراءة حسب وانما جعلت من التركيب النفسي ( الحنين ، الاستحضارات، شعرنة التفاصيل ، تشغيل البطانة الشعورية في الانثيال الصوري) كمجال تتداخل فيه التراكيب الصورية وحتى الصوتية احيانا كما في قصيدة ( خريف المآذن) لتشكيل طقس كتابي يكتسب صفة الرؤيا ،ويمور بالتوترات والشحنات الحسية التي تجعل القارىء في نوبة عاتية من الاستذكار الذي لايريد تثبيت الصورة بقدر ما يتركها لتشكلاتها المتعددة التي نستاف من خلالها روائح الامكنة وغبار التفاصيل القديمة، ونهجس بها نداءات الام ووصاياها النبيلة ،وارتعاشات الشهوات العالقة ، انها قصائد تتركنا عند جريات الاشياء وتجليات المعارف واغواءات الطقوس..

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 17, 2018 10:55 am