الشــعر والهـرطـقــــة

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    الشــعر والهـرطـقــــة

    مُساهمة  Admin في الخميس يوليو 07, 2016 3:49 pm


    أخذ قلبه ورماه من الشرفة
    وحين سقط على أول عابرة
    قال هذا هو الشعر.
    لم ينج شاعر من هذا السؤال: "ما هو الشعر" وسيبقى الشعراء يتساءلون والنقاد كذلك بل القراء أيضًا، لكن جميع الأجوبة هي مجرد إشارات لطريق أطول من أعمارنا بلا شك، سنبقى نتساءل وندوّن بينما نحن ندوّن حيوات الآخرين ونستعير بدرجات متفاوتة حناجرهم، وقلة منّا مَن يُدَوّن حياته بحنجرة صافية، وعليه فإن قولي في إحدى قصائدي (لا أحد يُغَرّدُ في حنجرتي) هو قول نابع من شعوري بخطورة الشعر، ودقته وشفافيته وأهميته بكل تأكيد. أنْ تفهم الشعر بوعيٍ مختلف وحادّ، يعني أن تكون رائيًا، وهذه مرحلة تتكون من عدد لا يُحصى من الدرجات، معظمنا يرتقي سلالمها الأولى أو المنخفضة، ولكن كلما صعدنا تساقط منا عديد الشعراء، ولا أحد يرتقى لأعلى درجة، لأن ذلك يعني موت الإبداع والخلود، والخالد لا يصله فانٍ، البشر فانون والشعر خالد.
    من هذا المنطلق يحثنا الشعر على الابتكار والتجديد، ومجموع هذه الابتكارات حملت الشعر إلى مديات أوسع، صرنا نلحظ سرعتها وقوتها من خلال ما يطلق عليه بالقطيعة، وإن كانت هذه القطيعة نسبية، وربما يمكن- بنوع من المجازفة- القول إنها قطيعة وهمية نسبية، لأنه ما كان لهذه القطيعة أن تحدث لولا تراكم الابتكارات والتجديد والتطور الذي أصرّ عليه هذا العدد الكبير من الشعراء. هنا لا نتحدث عن الشاعر الفرد أي الذي يقوم بإخراج الشعر من التقليدية والقوالب المكررة إلى ما هو خارق للذائقة، ومنه تبدأ ذائقة جديدة بالتشكل والهيمنة على اللاوعي الجمعي، ومن ثم يأتي بعد فترة- قد تطول كثيرًا- شاعرٌ فرد آخر ليحطم ما أنجزه سلفه. هذا الشاعر نادرًا ما يتواجد خلال عقود، ولكن حديثي عن منجز الجميع، وسعي الأغلبية ممن أخلصوا للشعر، بحيث جعلونا لا نطيق مَن يكتب جملاً نمطية. وكان لثقافة عديد الشعراء بالسرد والتشكيل والسينما والمسرح أثرها في الاستفادة من هذه الفنون ليلجَ الشعر عوالم جديدة كان بعضها غائبًا تمامًا وبعضها الآخر نادرًا ما لامس هذه الفنون.

    الشــعـر هـرطـقــــة
    بهذا المعنى أفهم الشعر، والإيمان أنه كلما أوغل في هرطقته واستحق الرجم كان أكثر إخلاصًا لجوهره، فَلِلشعر عوالمه وآلهته ومَلَكوته، وهذه لا تخضع لمنطق الأشياء أو لمنطق العقائد والعلوم، لأنه سيندرج ضمن الرياضيات، وهو النافر من علاقاتها رغم ما يشاع أن غالبية الشعراء قدراتهم جيدة بالرياضيات. الهرطقة هنا شعرية لغوية، فهي منافية للسائد من القول الشعري، مما يخرجها من دائرة المقدس والمدنس وإشكالياته، وعليه نجد الفقهاء تحدثوا عن "شطحات المتصوفين" فيما يخص نصوص التصوف والعرفان وما توحي لمن لم يتعمق فيها بالتجديف وخرق المقدس.
    نعم الشعر هرطقة، كما أوضحت أعلاه، أي لا يستعير الشاعر، حناجر شعراء سبقوه إبداعًا، بل يُنَقّي حنجرته ليكون تغريدها إضافة جديدة وليست استنساخًا تراكميًّا، ويفضل أن تكون نشازًا يخرب اللحن المحفوظ في النشيد الجماعي والمستساغ في الذاكرة الجمعية، وبالذات ما أصبح شفاهيًّا؛ أي أن أنساقه تتردد على الألسنة بصورة مكررة وضعته في صف الأمثال والجمل الشفاهية التي توارثناها، فهذا النشاز سيمنح الشعر مديّات واسعة، ويحفّز المبتلين بالتجديد والخلق والإبداع أن يضع كل واحد منهم لبنة أساسية جديدة ليندفع الشعر للأمام، وكلما ظهر مَن يخرب ذائقتنا بوعي عميق وبصيرة واقتدار، وينشد التجديد الحقيقي لا الشكلي المبني على تلاعب ساذج بالمفردات أو استعمال مفردات أجنبية، وتكرار أسماء أعلام ومدن مشهورة خصوصًا ما يتعلق بالإغريق والرومان وأوربا عمومًا وما إلى ذلك من تشويه للتجديد الحقيقي والمبني على موهبة ناضجة وقراءات عميقة وَهَمّ يوميّ أشبه بالوباء يصاب به الشاعر المجدد، أقول كلما ظهر هذا الشاعر وجدنا الشعر يتعافى ويخطو إلى الأمام رغم المعوقات، لكن الشعراء لا يعانون فقط من التقليديين بل إن معاناتهم من المقلدين لهم الراكبين موجة التجديد بموهبة متواضعة، وهؤلاء يشكلون أغلبية كبيرة تمنح التقليديين حرّاس القديم حججًا على اعتراضاتهم أن المجددين مخربون للثقافة وأشباه شعراء.
    القصيدة الحديثة يجب أن تُفهم على ضوء المنجزات التي تحققت للشعر، حيث الشاعر يزاوج الفنون الأخرى مع تجربته الخاصة، وثقافته الشعرية والأدبية والفكرية عمومًا، فليس بمقدور من يقرأ قصيدة حديثة أو ما نطلق عليها خطأ بقصيدة النثر- وهي القصيدة الحرة كما أكّدَ كلّ من الشاعرين الراحل سركون بولص وعبد القادر الجنابي وغيرهما مرارًا- وهو جاهل بالفنون الأخرى وبالفلسفة والأساطير والتاريخ وعلم الإناسة، وهي اهتمامات طالما راودت وشغلت حيزًا واسعًا من قراءات شعراء النص الجديد؛ أي القصيدة الحرة، والتي بلا شكّ هي غير قصيدة التفعيلة. وبما أن الشعر مثله مثل بقية الفنون نخبويّ، رغم الفارق العددي بين مريديه ومتابعيه وبين مريدي ومتابعي غيره من الفنون، ولكنه أكبر من مقولة "موت الشعر" التي أراها جملة مطاطية بل غير دقيقة وأن إطلاقها كان عشوائيًّا، أو في أحسن الحالات خوفًا مبالغًا فيه، ومازال شعراء "النص الحديث" يرفدون الشعرية بتنوع مدهش كما يفعل النقّاد، أقول هذا وأذكّر أن الشعر نخبوي وأن قليلي الموهبة شعراء ونقادًا هم كثرة كاثرة، لكن سوف نكون محظوظين لو مرت الذكرى المئوية الأولى لفعل الحداثة الشعرية العربية وأعني "ثورة" الملائكة والسياب، ونستطيع القول إن لدينا بضعة عشر شاعرًا حققوا لنا ما يجعلنا نفخر بكوننا أمة الشعر وأصحاب أضخم ديوان شعر عمره يزيد على الألف سنة.
    صحيفة العرب اللندنية
    [نُشر في 07/12/2014، العدد: 9761، ص(11)]
    http://www.alarab.co.uk/?id=39794

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 8:47 am