المثقف المؤدلج وخطر السرديات

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    المثقف المؤدلج وخطر السرديات

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء أكتوبر 11, 2016 1:39 am

    لا نجاة لمثقف مؤدلج، من خطر السرديات؛ بما أن التاريخ حتى القريب منه، نضح خطابات مؤدلجة، وشائعات نَـفيٍ، أو سرديات أمجاد أساسها النـفي للآخر، فلا بدّ أن يمتطيها المؤدلجون مثلهم مثل كل ساذج يردد ما تبثه وسائل إعلام مُعَيَّنة تنمّي الضغينة في داخله.
    في العصر العباسي، ولا سيما المتأخر منه، تمّ بناء سرديات أمجاد فارسية، أساسها نَفي العرب، وإزاحتهم عن مواطنهم التاريخية في العراق وبلاد الشام وعلى امتداد مساحات شاسعة من وادي النيل، ليتم رميهم في الصحارى، لكن هذه المناطق التي تواضع عليها الناس بأنها الصحراء العربية، التي لو دققنا النظر فيها سوف نجدها بوادٍ لا علاقة لها بالرمال، فهي صلبة لا تختلف عن أرض الهلال الخصيب، فهي صالحة للخيول، وارتباط العربي بالخيول بلغ مبلغًا كبيرًا وتجلى في قصائده ومنها المعلقات.
    السرديات الفارسية، قائمة على البناء - بناء أمجاد متوهمة للفرس- والهدم - هدم كل ما هو عربي- وبلا تمحيص تلقفنا الذي خطته الأوهام الفارسية، ولم نسأل أنفسنا كيف ذلك، ولا وجود لشعراء وباحثين ومؤرخين وأدباء كتبوا لنا بلغة فارسية، ونعرف أماكن وتواريخ ولاداتهم ووفياتهم ومؤلفاتهم، بينما نجد هذا الأمر واضحًا في اللغات الثلاث وهي السريانية واليونانية واللاتينية، وهي اللغات التي سبقت اللغة العربية فقط.
    تتميز شبه الجزيرة العربية بأنها محاطة بمحيط وبحار وخلجان، وأن نهر الفرات هو حدها الأعلى من ناحية الشرق، فأكثر من نصف مساحة العراق تُعدّ جزءًا من شبه الجزيرة العربية، وأن بواديها كانت أكثر خضرة بكثير مما عليه اليوم، بل إن نظمها البيئية، وطبيعتها الجغرافية، من الثراء والتنوع، ما يجعلها متحفًا جيولوجيًّا، وإذا كان النيل هبة مصر، فعلينا أن لا نغفل أن ما يقارب من 90% من مساحة مصر تعدّ صحراء، والأمر يصدق على شمال السودان.
    فالتنوع البيئي في شبه الجزيرة العربية، منحها مميزات إيجابية، ما جعل الغرباء يطمعون بها، فلقد وصف المؤرخون الإغريق أهلها، بأنهم "أصحاب ثراء فاحش" وأن "بيوتهم تُزينها الزخارف والنقوش والأحجار الكريمة"، وهذا واضح تمامًا في أمرين، الأول أن اللغة العربية التي تُعد واحدة من أكثر اللغات ثراء ودقة دلالة، فهي لغة انبثقت على ضفاف البحار والخلجان والأنهار والينابيع والجبال والوديان والسهول، والثاني ثراء شعر ما قبل الإسلام، بمقومات جغرافية متنوعة وخلوه تقريبًا من ذكر الصحراء التي هي الربع الخالي غير المسكون.
    لقد انتصرت الشائعة المناوئة للعرب والتي تزعم بأن العرب قومًا ولغة صحراويون، فراح يرددها الجميع، بلا تفحص وتأمل، وغدا العرب في نظرهم أقلية تسكن البوادي، أطلقوا عليهم الأعراب، أي تمّ نفي الغالبية من محيطهم الزراعي والمدني، إلى الصحراوي.
    مثلما يتمّ الآن تسويق سرديات لمتطرفين غير عرب، تُعلي من شأن إثنياتها على حساب العرب الذين أصبحوا سُبّةً وشتيمةً، بينما المنطق والأدلة العلمية تصرخ بحقيقة لا تشوبها شائبة، هي أنه لا يمكنك أن تكون ضمن نسيج المنطقة تاريخيًّا، وهو نسيج متنوع قوميًّا وإثنيًّا، لا سيّما العراق وبلاد الشام، وليس لك ثراء وغزارة في المنجز الكتابي التدويني بلغتك سبق القرن العشرين، وليس لديك مئات الأُسَر العلمية والأدبية.
    ثمة مراكز حضارية عديدة، لا يمكن تجاهل أي مركز مهما كان، فمكة والمدينة من المراكز الحضارية، وإن كانت البصرة والكوفة وواسط وبغداد والموصل ودمشق وحلب والقاهرة والقيروان وسواها مراكز حضارية، أكثر إشعاعًا وأضخم منجزًا، لكن نفي أي منجز لشبه الجزيرة العربية ورمي سكانها بأنهم ليسوا سوى "سُرّاق إبل" فتلك إشكالية، تستحق أن تُدرس الأنساق الثقافية والحوامل الاجتماعية التي تقف خلف مَن يؤمن بهكذا اتهامات تعميمية باطلة ويشيعها.
    صحيفة الحياة اللندنية، نشرت تحت عنوان: لا نجاة لمثقف مؤدلج من خطر السرديات
    الإثنين، ٢٢ أغسطس/ آب ٢٠١٦
    http://www.alhayat.com/Articles/16979133/%D9%84%D8%A7-%D9%86%D8%AC%D8%A7%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%AB%D9%82%D9%81-%D9%85%D8%A4%D8%AF%D9%84%D8%AC-%D9%85%D9%86-%D8%AE%D8%B7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA



      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 8:47 am