في التجـربة الشـعرية العــراقية

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    في التجـربة الشـعرية العــراقية

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء أبريل 04, 2017 3:36 am


    تتميز قصيدة النثر بأنها تسمح؛ أكثر من سواها؛ بأن يكون للشاعر الحقيقي أسلوبه الخاص، فهي أقل ثقلاً من القصيدة العمودية أو التفعيلية، فيما يخص الميراث الكتابي، فالتراث الضخم من الشعر الموزون أرهق الذاكرة العربية، بجمل تكررت حتى ترسخت بحكم الشفاهية، وأثقلت الغالبية العظمى من الشعراء كَلْكَل التراث بالأساليب والصور الشعرية والمجازات، فأثَّر ذلك على وعيهم وذاكرتهم، وصار الخروج من هذا الطوق أسهل بكثير في الأساليب الشعرية التي تتيحها قصيدة النثر.
    وقد أخذت مناقشة مصطلح "قصيدة النثر" كثيرًا من جهد النقاد والشعراء، وبددت طاقاتهم في جدل طويل، لكن المهم هنا أنني كثيرًا ما سمعت شعراء ونقادًا عربًا؛ في أثناء نقاشي معهم؛ يُشيرون إلى خصوصية قصيدة النثر العراقية. ولكن لا تخلو إشاراتهم من ذكر ملاحظات يرونها سلبية كالإغراق في الحزن والوجع والحرب والموت، وتكرر مفردات تطغى على مواضيع بعينها تصبغ المشهد الشعري العراقي، حتى إن هناك مَن وصم الشعر العراقي بالعنف، لعنف صوره الشعرية بحسب قولهم. لا يمكننا أن نغضّ الطرف عن هيمنة الكربلائيات إن صحّ التعبير على المشهد الشعري العراقي عمومًا وليس على قصيدة النثر العراقية فقط. كربلائيات يجد العراقيّ شاعرًا وقارئًا ومستمعًا ذاته فيها، حتى يُخيّل لكثيرين؛ ولا سيما خارج المنظومة الكربلائية عربًا وأجانب وربما بعض العراقيين؛ أن هذه الهيمنة إمّا رضوخ للمهيمن الجمعي، أو استدرار لعطف الذات نفسها أو جلدها، لكنه ليس استدرارًا لعطف المتلقّي.
    لا يمكن للشاعر وهو فرد من مجموع، الخروج التام على مجتمعه، ثمة تجاذبات ومؤثرات ومُهيمنات، وهذا يتضح في نسق قصيدة النثر العراقية، ومعالجاتها الفنية والأسلوبية ومواضيعها، إذ تفردت به عن أساليب قصيدة النثر الأخرى في الكتابة الشعرية العربية، لا يعني هذا أن قصيدة النثر العراقية مكررة عند الشعراء العراقيين، فلقد أتيحت فرصة ثمينة؛ على الرغم من مأساويتها؛ أعني بها ظروف العراق السياسية على امتداد نصف قرن تقريبًا، مما أجبر مئات الشعراء العراقيين إلى مغادرة العراق والعيش في بلدان مختلفة تمامًا في ثقافاتها وطبيعتها، وعادة ما تسبق رحلة الوصول إلى هذه البلدان محطات مختلفة؛ اختلافًا قليلاً أو كثيرًا؛ مثل الأردن وسورية وتركية واليونان وإيران وباكستان وماليزيا وإندونسيا وسواها، وهذا منح التجربة الشعرية العراقية عمومًا؛ ولا سيما تجربة قصيدة النثر؛ ثراءً لغويًّا وتنوعًا في التجارب والأساليب والموضوعات، غير منكرين سطوة التجارب الأجنبية ولا سيما الغربية متمثلة بتجارب الشعر الفرنسي والأمريكي والإسباني والروسي وغيرها من التجارب وبدرجات متفاوتة.
    لكن تجربتين مهمتين أثّرتا في الشعرية العربية فقط، والحديث عن قصيدة النثر تحديدًا ووضوح هذا التأثير وسعته، الأولى تجربة الشاعر سركون بولص، والثانية تجربة الشاعر صلاح فائق، وعلى الرغم من سعة وغزارة التجربة الشعرية العراقية، فإننا لا نلمس تلك المؤثرات الواضحة في التجارب الشعرية العربية، لقصيدة النثر العراقية، مثلما هو واضح في تجربتَي الشاعرين الكركوكيين بولص وفائق.
    ثمة أمرٌ لا بدّ من تأكيده، هو أنني أقصد التجارب الشعرية الحقيقية، التي كَـرَّس شعراؤها حياتهم إخلاصًا للشعر وحفرًا معرفيًّا في عوالمه وما يُغنيه، ولستُ مَعنيًّا بآلافٍ كتبوا ويكتبون ترفًا وتزجيةً للوقت، أو هوسًا بالشهرة والدعوة إلى الملتقيات والفعاليات الشعرية هنا وهناك؛ عليه يمكن القول إن الحديث عن قصيدة النثر العراقية، هو حديث عن تجارب شعراء أخلصوا وبوعيٍ تامٍّ للكتابة الجديدة، مثلما أخلص زملاؤهم ممن يكتبون أنواع الشعر بل وأنواع الإبداع الأخرى.

    صحيفة العرب اللندنية
    [نُشر في 2017/03/25، العدد: 10582، ص(17)]
    http://www.alarab.co.uk/article/%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1/105095/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 8:58 am