عبد الرزاق الربيعي: (خريف الماذن ) أمام فخاخ النص ..

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 490
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    عبد الرزاق الربيعي: (خريف الماذن ) أمام فخاخ النص ..

    مُساهمة  Admin في الأحد أكتوبر 24, 2010 3:53 am

    أسئلة تنمو فوق طحلب الايام

    رغم أنه من الشعراء العراقيين المقلين إلا أن باسم فرات القادم من حزن كربلاء ونحيب عباءات الأمهات في ليالي القهر والالم العراقي المزمن استطاع ان يحفر اسمه في دفاتر الوجع كواحد من الشعراء الذين بمجرد ان تشم رائحة حروفهم تعرف انها فراتية , وحتى اسمه جاء دالا معبرا عن عالمه الشعري , فهو يلقي من خلاله اولى مفاتيح تجربته امامك , وهكذا تجد نفسك امام حالة شعرية , واسئلة وعذابات عراقية , وجراحات مفتوحة على سعتها , لم تستطع السنوات التي امضاها خارج العراق بين الاردن ونيوزيلنده ان ترتق هذه الجراح بل جعلها المنفى اكثر التماعا و ضجيجا وعمقا .
    تضم مجموعته ( خريف الماذن ) الصادرة عن دار ازمنة اثني عشر نصا كتبت جميعها بين الاعوام 1992-1999 كما يشير في الصفحة 5 , واثنا عشر نصا خلال سبع سنوات ب67 صفحة –هو تاريخ ميلاد الشاعر – تدخل باسم فرات ضمن الشعراء المقلين او لنقل المشتغلين باناة على تجاربهم او ما ينشر من شعر ولا يشبهه في هذا سوى الصديق الشاعر فضل خلف جبر الذي وضع العديد من الدواوين المخطوطة لكنه لم ينشر سوى ديوانين فقط على امتداد تجربته الطويلة مع الكتابة الشعرية !!كما هو الحال مع شاعر (خريف الماذن ) الذ كتب نصا يشبهه وينتمي اليه ويحمل شيئا من روحه , فهو لم ينبهر كالكثيرين من مجايليه بالفرقعات اللغوية واغراءاتها والاستسلام للاشعور , بل حمل ازميله وخط صرخاته بكل روية وتان ويبدو ان الارقام في تجربة باسم فرات- الذي سبق ان اصدر ديوانا نشرته دار الواح بمدريد ديوانه الاول (اشد الهديل ) - تحمل دلالات رمزية ارى انها لم تات عفويا
    فاثنا عشر نصا عدد له دلالة زمنية مثلما للرقم سبعة دلالة مقدسة في لغة الارقام !و لقد شكل عنوان ديوانه الثاني اول صدمة لي وبلحظات انقطعت عن المكان " اجلست ثلاثين عاما على ركبتيها " كما يقول وعدت معه الى تلك الماذن التي ارضعتنا بكاءها لتحل محلها الابراج :
    تتلصص علينا الشرفات بعين واحدة
    ظلالنا ترشق الستائر بالقبل
    الموج يستجدي من المارة قمصانهم
    ليعلب السواحل في غثيانات الضباب
    العربات تبادله الخدوش والخرائط المبتلة
    عانقت برجا خلته مئذنة
    ولم اجد امامي سوى ان ارسم البروق على اسرة الدهشة واضعا عيني بعين السواد في ارض السواد :
    مزدحما
    بانشغال الاس
    يلوح باصابعه للذين يمضون
    ومعهم اسئلة الوردة
    ذلك لان الحروب ظلت تلاحقه ولم تسعف باسم فرات , الذي يهيم- بالاس كاي عراقي مشدود بعنف الى جذوره - بحيث تكررت هذه المفردة في العديد من المواضع :
    اتوله بالاس
    وهو يشبهني تماما
    اقول لم تسعفه الاحلام التي غرق في جفافها ولم يبق له سوى ان يتساءل :
    كيف لي ان اجعل الاس
    لايشير الى اسراري وفي يمينه
    ماينهش الرؤيا
    وفي نص اخر يقول:
    كيف طوقني الرازقي
    لسنا سوى خيبات صدئت ذكرياتها
    والملاحظ ان الاسئلة تشكل القاسم المشترك الاعظم في عالمه الشعري حتى انها في شارع العباس تتزاحم مع الجمال –كما يقول- هذه الزحمة تجعل تجربته الجمالية مزدحمة بنثار الاسئلة مضمخة بشذاها المفتوح على عوالم الدهشة, وحتى الاهداء الذي وجهه لجانيت – زوجته النيوزلندية - لم يخل من تساؤل يقول لها فيه:
    هل نحن تناغم حضارتين؟
    وتتنوع ادوات الاستفهام فعندما يقود قناديله الى لغة الضوء في قصيدته الاولى يبدا ب:
    أي حلم يجفف طفولتي
    أي حلم يشق صباحاتي
    انا الاخير في قافلة العزلة
    لكنه يلجا باستفاضة لاداة الاستفهام ( كيف ) التي تستخدم نحويا للسؤال عن الحال في العديد من نصوص مجموعته :
    كيف لي ان اترك نسياني
    يوزع ذكرياته باتجاه الالم
    ولايصرخ : يابلاد استرجعيني
    و:
    كيف لي ان اطرد الاشجار
    من راسي
    ولا تتبعني الزقزقة
    كيف لي ان اعري ابي من الخلافة
    ولا يفيض الفرات من يدي
    كيف لي ان اقول انثى
    ولااعني كربلاء
    وهذا يشير الى قلق الحال وحيرة مطلقة تتلبس وجدان الشاعر وتملا كيانه , هذا القلق جعله يعمد الى الغاء علامات الاستفهام , لكي لايقفل اسئلته , فتظل مفتوحة , بلا اجوبة , فيخمش الافاق ويمضي ليكون جنة نفسه وقيامتها وسط "اسئلة تنمو فوق طحلب الايام " هذه الاسئلة هي شكل من اشكال الطفولة التي تتشعب داخل وجدانه :
    رسمت سماء صافية لانفذ منها
    محتها الصواريخ
    رسمت جدولا وقلت : هذا نهر الحسينية
    تلصصت عليه المطارات
    رسمت مئذنة ونخلة
    ووحيدا اوقفوني الا من مراة احملها
    تصفعني الايام كلما صرخت:
    ابي ياابي او كلما توغلت في موتك
    اهلت التراب على احلامي
    ويسقط ايضا علامة الاستفهام , فالسؤال هنا بلا زخرف ولا شبهات ترمم الروح في خرابها لينوء باغنية المشاحيف :
    هل استدعي اعوامي الثلاثين لاقي قامة النرجس فحولتي
    مزيدا من الاندهاش امام فخاخ النص
    ولو تتبعنا النصوص لوجدنا ان الحرب تمد ظلها الثقيل على معظمها لكنها لاتاتي كثيمة مركزية بل كجزء من صور الخراب الذي اصبح لا يتنفس سواه ف جعل الماذن تعيش خريفها المؤبد, فلصقت تفاصيلها في ذاكرة قصيدته, وفاضت على الورق كشظايا متناثرة هنا وهناك :
    حاولت الف مرة ان اخبيء الفرات
    لكنني عانقته
    فخر ازيز المدافع من قميصي
    رسمت سماء صافية لانفذ منها
    محتها الصواريخ
    وقوله:
    كيف ارسلوك للحرب
    وانت مصفد بالحب
    وقوله :
    الحروب التي كنت خاسرها الوحيد
    علقتها على مضض
    ومضيت ابحث عني

    وقوله الحروب التي تشتهيني دائما
    تعلق قميصي مجدا لغيري
    ثم تنسل هاربة لطلاء طفولتي بالفحم

    وهكذا يقودني الى مدار الطفولة التي طلتها الحروب والمحن بالفحم ذلك لانه مشدود الى الماضي المداف بمواقيت الاس فالطفولة تسيل من بين اصابع قصيدته لتكون خلاصه الوحيد من الموت على شرفات الحروب الخاسرة :
    انا لم اخبيء طفولتي في قميصي
    لكنها سرقتني من الحرب
    لذا فانه يتساءل في اول مقطع من اول قصيدة في الديوان :
    أي حلم يجفف طفولتي
    أي حلم يشق صباحاتي

    ولان باسم فرات " السومري المدجج بالاحلام والاسئلة " كما يصف نفسه القادم من مدينة المنائر والاعلام الخضر والجراح المفقوءة منذ ان سقط الحسين (ع ) مضرجا بدم الشهادة وغدر الازمنة وتفرق الشمل واختلال الموازين ..كربلاء هذا الاسم العتيد الذي يتوضا تاريخا وبطولات –كما يقول - فان وجدانه محملا بطقوسها وشعائرها وصلوات شهدائها والملائكة التي تطوف بازقتها :
    ابواب معشقة بالابريز والفضة
    واكف الحناء المدماة بنشيج الامهات
    ابواب تقودني الى البهاء
    اخلع جسدي قبل ان اصل
    اسوار افترشت الحجر الكربلائي
    وتاريخ ينز اسى ودم

    هذا التاريخ يشكل مرجعية مهمة لتجربته الشعرية ومنه استقى المه وحزنه الذي ظل يلازمه اينما اقام لكنه جعله يضيء مثل الماذن عند بزوغ فجر جديد, وقراءة نصوص باسم فرات لاتكون مكتملة الا بالابحار في عوالم هذه المدينة التي تشع عراقة ودما وتاريخا.
    على صعيد البناء الفني , فان نص باسم فرات يحتفي بالتفاصيل الحياتية , يستقي صوره الفنية من لب الواقع , بلغة يومية , تتكرر بعض مفرداتها ك( الخراب ) و( البحر ) و( حطام ) ( الحرب ) و( الاسئلة ) و( الاس ) كما اشرنا و (الاحلام ) بكل حقولها الدلالية واشتقاقاتها لكنها تاتي ضمن سياقات مختلفة , احيانا , وسط حضور كثيف للانا والذات , لتتفجر بمعان جديدة , احيانا ايضا , تاتي ضمن جمل قصيرة مكثفة تكثر فيها الافعال الماضية , " اوقد الغيوم
    واعرف ان للذكرى قوارير شائكة
    احرث السماء بالبحر
    واعرف ان الدمع اكثر زرقة من بهجتي
    ارقب حماقاتي بشغف لترث العصافير متاهتي
    انصت للذين ياوون الحرب من سباتها "
    هذه الافعال المتوالية تشير الى حركة زمنية تنمو داخل احشاء نص باسم فرات , وهي يستدعي تلك التفاصيل من الذاكرة التي تشده الى هناك ,حيث الجذور الاولى , والدمعات الاولى , وقبور الاسلاف.
    ان نص( باسم فرات) يضج بالوجع والالم ذلك لانه من جيل تلوثت ذاكرته بمشاهد الخراب وتشوهت , هذا التشويه وظفه جماليا في نصوص تفيض عذوبة , وهذه ميزة الابداع .

    مسقط

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أغسطس 21, 2018 11:58 pm