عراقية الحرووف العربية

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    عراقية الحرووف العربية

    مُساهمة  Admin في الأحد أكتوبر 08, 2017 5:28 am

    يكثر الحديث في الآونة الأخيرة في التاريخ وإطلاق الآراء المرسلة التي لا حظّ لها مع الحقيقة والمنطق العلمي الذي يشتغل على دراسة التاريخ، ففوضى الفتاوى الدينية التي نتململ منها؛ بل نرفضها؛ رحنا نطالب بوضع قوانين صارمة لتفشي فتاوى مناهضة لطبيعة البشرية ومعادية للتعايش الذي يحكم المجتمعات، لا سيما وأن التنوع العقائدي سُنّة الحياة، لكننا نصمت أمام سيل الفتاوى التاريخية، وأعني بها ما نقرأه من إلغاء وإقصاء لتنوّعنا، ورمي مجموعات سكانية لها منجزها التاريخي؛ الذي يزيد على ألف ومئتي سنة؛ بالاحتلال والغزو وإسقاط جرائم يرتكبها مجرمون على ثقافة منحت الوجه الثقافي للمنطقة وشَكَّلَتْ وعينا؛ متجاهلين أن رمي العرب بأنهم غزاة والثقافة العربية بأنها ثقافة غازية وغير أصيلة، يعني أن الغالبية العظمى من سكان العراق بل والهلال الخصيب ومصر؛ هم غزاة أيضًا.

    بل إن من لا يملك تراثًا كتابيًّا يضاهي التراث العربي هو أكثر وطأة؛ أي أكثر احتلالاً، فكلما قَلّ المنجز التدويني الذي سبق الحرب العالمية الأولى بلغة ما؛ في إقليم أو مدينة ما؛ كان الناطقون بهذه اللغة يتصفون بكونهم أكثر احتلالاً. وتفكير كهذا سيجعل من المجموعات السكانية التي تفتقد للكتابة بلغتها قبل القرن العشرين أو التاسع عشر، هم الأكثر إصابة بسهام الإلغاء والإقصاء التي يوجهها دعاة “اللغة العربية لغة غازية” و”الغزو العربي للعراق وبلاد الشام”.

    من المفارقات العجيبة أن يتمّ وصم ثقافة ولدت ونشأت وترعرعت في بلد ما؛ ومنه انطلقت لتنتشر في مساحات شاسعة؛ بأنها غازية، ولا أعرف كيف يتم وصم ثقافة بأنها غازية في موطنها الأم؛ والثقافة العربية يُعَدُّ العراق مهدها، مثلما تُعدّ بلاد الشام مهد النقوش العربية، ولأن الثقافة؛ أيّ ثقافة؛ أساسها الأول هو اللغة، وأساس اللغة الأبجدية، فسنثبت في السطور اللاحقة أن العراق موطن الألفبائية العربية.

    يرى أغلب الباحثين أن تنقيط وتشكيل (الحركات) الحروف العربية قد تم في العراق، ابتدأ في عهد الخليفة الراشدي الإمام علي بن أبي طالب، ومن ثم أكمل المشروع أمير العراق الحجاج بن يوسف الثقفي، ولكن ما هو غير معروف على النطاق نفسه، أن ألفباء العربية قد ابتُكِرَت في العراق، وهو ما دوّنته بعض المصادر والمراجع العربية.

    الروايات العربية التي تقرّ بأن الخط العربي ابتكار عراقي، تختلف فيما بينها حول موضعين من العراق: الحيرة والأنبار، فثمة مَن يرى أن الحيرة موطن الألفبائية العربية ومنها أخذها أهل الأنبار، وفريق يرى العكس، أي أن ابتكارها كان في الأنبار ومنها أخذته الحيرة، لكن لا خلاف على أن العراق موطنها ومنه “أخذته العرب” بحسب أبي عبدالله مكحول بن أبي مسلم (ت حوالي 112 هـ) ونَص ما قاله الأخير هو “إن نفرًا من أهل الأنبارِ من إيادٍ القديمة وضعوا حُروفَ: ألف. ب. ت. ث. وعنه أخَذَتْهُ العرب”.

    وورد هذا الاعتراف بصيغ أخرى، لكن المعنى نفسه عند البلاذري في نهاية كتابه “فتوح البلدان”، الذي نقله عن عباس بن هشام بن محمد بن السائب الكلبي؛ عن أبيه عن جده، وابن النديم في الفهرست، وابن عبدربه في “العقد الفريد”، والقلقشندي في “صبح الأعشى”، وإسرائيل ويلفنسون في”تاريخ اللغات السامية” يقول “ولمؤرخي العرب روايات تتفق على أن الخط العربي لم يجئ إلى الحجاز إلاّ من الحيرة”.

    ومن هذه الروايات ما ينسبونه إلى ابن عباس ومنها ما ينسبونه إلى ابن إسحاق صاحب السيرة النبوية، ومنها ما ينسبونه إلى المسعودي وأستاذه الواقدي. ويذهب البعض إلى أن الخط العربي الحيري منقول عن الخط المسند. وفي رواية عن ابن عباس أن أهل الأنبار تعلموا من أهل الحيرة. لكن هذا الكلام لا ينفي الجذور اليمنية والمؤثرات الشامية للحروف العربية التي نشأت ونمت في العراق.

    ويرجّح المستشرقون أن الحروف العربية نشأت ونمت بين القرنين الرابع والخامس الميلاديين. فهل بعد هذا يمكن أن تُتّهم العربية بأنها غازية وموطن ولادتها ونشأتها العراق؟

    صحيفة العرب اللندنية
    [نُشر في 2017/06/11، العدد: 10660، ص(11)]
    http://www.alarab.co.uk/article/Opinion/111459/%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%88%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 8:44 am