عقيل عبد الحسين: ما وراء الحلم البوليفاري

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 478
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    عقيل عبد الحسين: ما وراء الحلم البوليفاري

    مُساهمة  Admin في الجمعة أكتوبر 20, 2017 9:01 am


    سرد الرحلة يدخل في الأدب العربي التقليدي فقد عرفه الأدب قديما. وهو نوع من الوصف للأماكن والعادات والشعوب، يقدمه سارد يتصل بشخصية معروفة هي التي قامت بفعل السفر والاستكشاف في وقت سابق، وهي فيما بعد تتولى سرد ما مرّ بها، وما شاهدت في كتاب الرحلة، لكي يفيد القرّاء منها معرفة بالآخر. وقد يكون الفاصل الزمني بين الرحلة وتدوينها هو ما يجعل الرحلة أقرب إلى الموضوعية، وأبعد عن الدهشة والانبهار، الشيء الذي تتميز به كتب الرحلة التقليدية، وتستبدله كتب الرحلة المعاصرة لنا بالذاتية، وبالدهشة التي يصرح بها السارد في أثناء سرد الرحلة، كما يفعل (باسم فرات) في كتاب (الحلم البوليفاري- رحلة كولمبيا الكبرى) الصادر عن دار الحضارة العام (2015) والفائز بالجائزة الأولى لمسابقة جواد الساعاتي لأدب الرحلات العام 2015. والكتاب يروي تفاصيل رحلة السارد في أماكن متعددة من أمريكا الجنوبية. وهي أماكن، كما تقول لجنة الجائزة التي منحت للكتاب، مهملة وغير معهودة الرحلة إليها والحديث عن سحرها. وهي مقترنة في وعي القارئ العربي عادة بالمخدرات وبعصابات الجريمة المنظمة وبالدكتاتوريات القاسية جدا. وهذا يعني وبعيدا عن كلام لجنة الجائزة أن السارد يسير في رحلته وفي سرده مدفوعا برغبة شخصية في المغايرة وتقديم وجه مختلف من وجوه البلدان التي يزورها ويريد أن ينقل مشاهداته وانطباعاته عنها للقارئ. وتلك الرغبة المضمرة لا تخرج عن رغبة أخرى معلنة يصرح بها السارد كثيرا في ثنايا سرده تتمثل فيما يسميه السعي إلى إبراز المشتركات بين الشعوب والحضارات والثقافات، لا المختلفات؛ لأن من شأن إبراز المشتركات الوصول إلى المحبة والتعايش التي تنقص مجتمعاتنا وبلداننا العربية عموما، والعراق تحديدا. والسارد يشير كثيرا إلى مظاهر العبادات في أماكن نائية لم نسمع بها، نحن القرّاء، ليكشف لنا أنها تشبه مظاهر عباداتنا المختلفة، ففي أحد الأماكن تُقدّس مريم العذراء، ويتقرب إليها المؤمنون أكثر من تقربهم لعيسى، وهو ما يذكرني- يقول السارد - بحضور الحسين في كربلاء أكثر من حضور جده مؤسس الإسلام. وليس في هذه ذم على المؤمنين هنا أو هناك، فتلك معتقدات إنسانية مشتركة، وينبغي أن نتعلم احترامها بدل معاداتها والنظر إليها على أنها شذوذ ديني أو فكري أو ثقافي. الحلم البوليفاري ينتظم على مبدأ المغايرة؛ المغايرة في الكتابة عن الأماكن المهملة أو المنمطة، والمغايرة في تقديم صورة مختلفة للآخر، فهو آخر يضج بالمختلفين، ومع ذلك لا يعادي أي مختلف فيه الآخر. والمغايرة في الأسس التي يقوم عليها سرد الرحلة فبدل الموضوعية هناك الذاتية التي تظهر في الاحتفاء المستمر بأثر الأماكن والموجودات والسلوكيات على السارد، وتظهر في التصريح بالحافز الذي ينهض عليه السرد وهو الدهشة، وهو ما نجده في حرص السارد على التدوين الآني والفوري، ولو عبر الفيس بوك، لكل ما يمرّ به من دون إفساح مجال زمني للذات لكي تنظر إلى تجربتها من بعيد، فلعل المسافة الزمنية تضعف الانفعالات، وتهدئ من سطوع الدهشة، وتجعل الرحلة سردا حكيما لما مرّ بها السارد وتجاوزه. وهو ما لا يريده (باسم فرات) المسكون بهم الوطن ومشكلاته الدينية والتاريخية والثقافية والاجتماعية والمدنية، والقادم من الشعر إلى العالم، والى الرحلة، والى السرد، والمُؤرَق بسؤال (هل أنا شاعر؟)، والخائف من ألا يكون شاعرا، ومن أن يكون أي شيء غير شاعر، حتى وإن كان ذلك الشيء ساردا أو روائيا.

    صحيفة العالم الجديد
    الاثنين 17 آب 2015
    http://al-aalem.com/%D8%A3%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D9%85%D9%86

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 8:58 am