د. أسماء غريب: باسم فرات: الطّفلُ المُسافرُ؛ صاحبَ الأحزان الثلاثة

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 484
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    د. أسماء غريب: باسم فرات: الطّفلُ المُسافرُ؛ صاحبَ الأحزان الثلاثة

    مُساهمة  Admin في الجمعة فبراير 09, 2018 8:48 am


    لا خيرَ في قلبٍ لمْ يَشْتَعِلْ بيْنَ بُطَيْنَيْهِ قنديلُ الحزنِ، ولا خيرَ في روحٍ لمْ تجرِّبْ معنى المحرقةِ وهي تسافر بإبراهيم الحرفِ منْ مقامِ الوثنِ إلى مقامَيِ التّوحيدِ والوحدانيّة، وإذ أقولُ المحرقةَ، أعْنِي بها تلكَ التي تَصَّاعَدُ ألسنتُها في الجسدِ ما إنْ يئنُّ مِنْ فرط الشّجنِ البهيّ والحُزْنِ الشَّجيّ هاتفاً بعينٍ دامعةٍ: "إنّي سقيم"!
    نعم، هُو وحده هذا السّقمُ الذي يعني وعيَ العقلِ الأوّل بانكدارِ نجومِه وانطماسِ سماوات النّفس، ممّا يجعلهُ يستشعرُ ضرورةَ التّمَنْطُقِ بحزام السّفر في أرض الله، والتوكُّأ على عصا الصّبر والجلَدِ من أجلِ بلوغ سدرة المنتهى، عبر رحلاتٍ قد تطولُ أو تقصرُ، وقد تدومُ العمرَ كلّه، وربّما تمتدُّ إلى ما بعدَ الممات.
    والسّفرُ قد يكونُ جسداً بدون روح وهو أرذل الأسفار كلّها وأكثرها شيوعا بين الخليقة، وروحاً بدون جسدٍ وهو أندرُهَا، وجسداً وروحاً وهو الذي يعنينا في مقامنا هذا، ما دمنا بصددِ الحديث عن باسم فرات؛ المسافرَ لا الرّحالةَ. وأقولُ هذا لأنّ السّفرَ عندي أعمقُ وأطولُ من الرّحلة، ما دام قلبُ صاحبهِ أكثر يقظةً ونباهةً من قلب الرّحّالة، وكيف لا، وهو المُكتوي بحزنِ المَنْشأ، وحزن الحياة، وحزنِ الكون والوجود، وهي أحزان ثلاثة ما عرفَها قلبٌ إلّا وطُوِيَتْ لهُ الأماكنُ والأزمنةُ.
    وأمّا حزنُ المنشَأ، فهُو الحزنُ الكربلائيُّ الأعظم، الّذي به اهتديتُ إلى باسم، وإلى مدينته؛ أمَّ الحزانى والبكّائين على شهيد الإنسانيّة جمعاء، الحسين عليه السلام، وسيّدةَ المدائن الموشّحة إلى الأبد بالسّواد، والمُغَسَّلَة كلّ يومٍ بدموع العشّاق والمحبّين والأوفياء لذكرى سبط رسول الله الإمام الشريف الكامل، وصاحبةَ التّربة التي تخرقُ الحُجُبَ السّبعة، والطّين الذي يشفي منْ كلّ علّة وداءٍ، ومعشوقةَ الفرات سيّد مياه الدّنيا والآخرة المُعَطَّر بمسكِ الملائكة والأولياء والأنبياء البررة الكرام، وهو النّهر الّذي رأى أديبُنا النّورَ بالقربِ منه وبهِ فتحَ عينيهِ على الوجودِ ليجد نفسهُ رضيعاً يتيماً لمرّتيْن: مرّةً لأبٍ قُتِلَ وهو يدافِعُ عن جارته، ومرّةً لأمٍّ ترمّلتْ قبل الأوان، وذبلتْ زهرةُ شبابها، فعادتْ للعيشِ في بيت والديْها بعيدةً عن ابنها الّذي أصرّت جدّتُه لأبيه أن تحتفظ به لترى فيه وهو يكبُرُ أمام عينيْها ابنَها القتيل.
    هو هذا اليتمُ المبكر وتلكَ الطفولةُ المقمّطة بالدّمع والحرمان، كانا كفيلْين بإشعال فتائل أولى شموع الحزن بقلبِ باسم، فأضافت إلى حزنه الكربلائيّ، حزناً لا دواء لهُ حتّى أنّ دمعه كانَ في كثير من الأحيان ينزلُ فيّاضاً كلّما سأله أحد عن والديْه، أو كلّما رأى أطفالاً صغاراً ينعمون بحنان الأبِ والأمّ ويعيشون عيشة هنيّة ويذهبون للمدارس دونَ أن تضطرّهم الحياة إلى إهدار براءة الطّفولة والعمل كبائع متجوّل صغير في شوارع كربلاء، أو وسط التحفيات النحاسية، طفلاً بين ماء النّار والرصاص والنحاس والسموم الأخرى، تتعرض كلّ يوم يداه الصغيرتان للجرح أو في فرن الخبز حيث صورة يد معلّمه وهي تصفعه مرارا وتكرارا على رقبته مازالت محفورة في ذاكرة القلب لم تذبلها الأيّامُ ولا السنون.
    وأمّا حزنُ الحياة فجسّدتُه في قلبه الغضّ مآسي العراق وحروبه المريرة التي أتتْ على الأخضر واليابس وما تركتْ شابّاً إلّا ووارته الثرى، ولا أمّا إلّا وأثكلتها، ولا ُمثقَّفاً إلا وأردته وراء قضبان الاعتقال السياسيّ، أو الإعدام بالرّصاص أو الرّمس مع غيره من أهل هذا البلد في المقابر الجماعيّة وما إلى ذلك مما يشيبُ له الولدان، فباتَ ألّا حلَّ ولا مناص من الإصابة بالجنون أو الموت الرّوحيّ والجسديّ سوى المغادرة واللّجوء إلى المنافي القريبة أو البعيدة. ولقد كان الأردن منفى باسم فرات الأوّل هناك حيث اندمجَ فيه مع ما كان يحسبُه اختلافاً وتقبّلَهُ بروح رضيّة وإن لم تؤثر هذه المرحلة بشكلٍ قويٍّ على كتاباته الإبداعية لكنّها منحتهُ إمكانية المقارنة بين ما اكتسبَه في الأردن وبين ما افتقده منه أثناء إقامته في مناطق أو دول أخرى، ففي الوقت الذي كانت تفرض عليه ظروف التعايش والتأقلم في الدول الأجنبيّة تعلّمَ لغة جديدة فإن تجربة الأردن لم تحتج منه إلى ذلك تماما بل على العكس فقد جعلتهُ يشعرُ فيما بعد كم كان هذا البلد شبيهاً ببلده ووطنه الأمّ لغةً وتقاليداً ومحبّةً ودفئاً.
    بعد أن قضى باسم في الأردن أربع سنوات وستّا وعشرين يوماً، غادره قاصداً نيوزلندا التي دخلها الأربعاء 21 أيار 1997، وهي السنة التي بقيتْ كالوشم في ذاكرته لأنها أعلنتْ له هذا البلد كوطنٍ جديد فيه التقى بعدَ ستّ سنوات من العمل والكدح بزوجته السيدة جينيت، المرأة التي غيّرتْ حياته وفتحت له بابَ السّفر والرحلات على مصراعيه وتعلّمَ برفقتها الكثير من دروس الحياة العميقة وخفّفَتْ عنه بذلك وطأة المنفى والاغتراب ليتوّجَهَا بهذا سيّدةً بهيّة الرّوح والقلب والفكر إلى جانب سيّدتيْن أخريين لعبتا دوراً كبيراً في حياته، هُما والدته وجدّته، اللتان تغلغلتْ معهما جينيت بلا وعي منهُ في قصائده وإبداعاته الشعريّة أو السّردية على حدّ سواء.
    بعد نيوزلندا جاءت مرحلة هيروشيما ثم محطّة لاوس وجنوب آسيا اللتيْن شكّلتا معاً المنعطفَ الذي تغيّرَتْ به الكثيرُ من الأشياء في حياة باسم، أوّلها تفاعلهُ مع الآخر وحضاراتِه وكينوناته وهوياته بشكلٍ أكثر عمقا وصفاء من ذي قبل، إذ أنه فتح عينيه على طقوس جديدة، وعبادات وتقاليد أجدّ، إضافةً إلى اكتواء القلب بأوار نيران مختلفة قادته إلى مشاركة الناس معاناتهم وآلامهم في مناطق نائية، وحينما رأى فقرَ الأطفال وسوء أحوالهم توحّدَتِ الأرضُ في قلبه وبدأَ يعي وجودَ ما أسميتُه آنفاً بالحزن الكونيّ الّذي هو أرقى وأصفى وأعمق أنواع الحزن على الإطلاق، لأنّ به يتجرّدُ الإنسان من أناه وانقساماتها ومذهبيّاتها وأيديولوجياتها ليدخلَ عارياً كما ولدته أمّه إلى حضرة الشهود بعين الوحدانيّة التي ما هي سوى عينِ ذاك الطفل البِكْر المندهشِ على الدوام، والرّابض في القلب العاشق الذي لا تغمض له عين أبداً!
    ولكي يولدَ هذا الطّفل بداخل كلّ إنسان لا بدّ له من عنصر النّار والنّور، والهواء والترّاب والماء، وإنّي لمْ أر طفلاً أشدّ نباهة، ولا براءة ولا اندهاشا من هذا الراتع بين ثنايا قلب باسم، وهو الحاضر في كلّ ما كتبَه من قصائد ونصوص أخرى في أدب الرحلات وما إليها، وهو هكذا كما وصفتُهُ لأنّه يحملُ كلّ عناصر التكوين العرفانيّ الوحدانيّ الموحِّدِ في جيناته وتركيبتِه بما فيها نسبُه النبويّ الشريف، ثمَّ اليُتم المبكر، والولادة في كربلاء مدينة السّفر والمسافرين وركبِ الحجيج القادمين إليها من كلّ صوب وحدب، وإني لأعتقدُ أنّ ما كان يراهُ باسم في طفولته من زوار حسينيّين هو ما ألهبَ في داخله وبدون وعيٍ منه تلكَ الرغبةَ في شدّ الرّحال هو الآخر إلى الأماكن التي كان يأتي منها هؤلاء الحجّاج، وفي التعرّفِ عليهم بشكلٍ أكثر عمقا، وإرضاءً لفضول ذاك الطفل المشاغب الذي كان كثيرا ما يهتفُ بداخله وهو يتجوّلُ بين الناس بمسبحاته وأكفانه: ((من أين يا ترى يأتي كلّ هؤلاء الناس؟ وكيف هي بلدانهم وطقوسُهم وعاداتهم؟ هل هم مثلُنا مدثّرين بهذا الحزن الكربلائي الكبير؟!)).
    ولكي يحصلَ على الجواب الشّافي، شاء له الرّحمن الودودُ أن يصبح رحّالةً يكتبُ بلغةِ الشّعْرِ والسّفر عن تجاربه العميقة، لكن قبل هذا وذاك كان لا بدّ للطفل أنْ يعمل خبّازاً لكي يعرف معنى النّعمة والرّزقَ، ويكبُرَ تحت ناظريْ خالقه مُشَرّباً بالمحبّة لأنّ الخبزَ نفسُه هو الله وهو المحبّة، ونار التنور هي المسبكُ الذي كان لا بدّ أن تُصقلَ فيها معادن وأحجارُ هذا الطّفل العجيب، أمّا عن ذلك المعلّم الذي كان يضربه بكفّه الكبيرة على رقبته، فذاك كان من أجلِ أن تتربّى فيه ملكةُ التنبُّه وسرعة الالتفاتِ واتّقاء الخطر. وكان لا بدّ للطّفل أيضاً أن يعمل حذّاء، وإلّا فكيف سيعرفُ معنى الطريق والمشي لمسافات طويلة بين المفاوز الوعرة والغابات المخيفة، ثم نحّاساً ليعرف معنى السموم ويتّقيها، لأنه سيصادفها كبيراً في الغابات بينَ الأفاعي والعقارب والنباتات النّفّاخة وبين النّاس أيضا بمن فيهم الحاسدين والحاقدين والنمّامين، وهؤلاء سمومهم فاقتْ سمومَ الهوام والأشجار والنباتات، وقدْ قال فيهم باسم:
    ((أدوّن طين المحبّة
    حذراً
    أن ترصدني طعناتُ
    من مسحتُ
    عن إزارهم الخوفَ
    وآويتُ أحزانهم
    فرموني بوشاياتهِم
    ولطّخوا حياتي بالخذلان)) [ من (إلى لغة الضّوء)، ص 61].
    يا لرحمة الله العجيبة، حقّا لو يطّلعُ الإنسان على الغيب لما اعترض على أمور الخالق وتصاريفه فيه ولو للحظة واحدة، أيْ لو لمْ يمرّ باسم فرات بكلّ هذه التجارب لما أصبحَ الرجل الّذي هو عليه الآن، إذ كان لا بدّ من كلّ هذه الخلطة العجيبة من الأسباب والمسبّبات والعوامل لتعطينا هذا الكاتبَ الباذخ الحرف، المتصالح مع نفسه ومع الآخرين إلى أبعد الحدود، وكيف لا وهو المسافرُ في نفسه وفي الناس وفي الأرض، زادُه التقوى والمحبّة الكونيّة، وعصاه درّاجة أظهرتْ لي إشارتُها مدى صدقه كأديب مكافح صنعَ نفسه بنفسه، وطوّرَ قدراته وملكاته لينتِجَ لنا أبهى ما عنده: (الحلم البوليفاري)، و(بلوغ النّهر)، و(إلى لغة الضوء) و(أشهق بأسلافي وأبتسم)، ثمّ (دموع الكتابة)، وهي كلّها تجارب إبداعيّة كان السّفر سببا في ظهورها بما أضافه في قلب هذا الأديب من ثراء معرفيّ شمل العديدَ من المناطق الجغرافية ليكون أدبُه وعيا جديدا بلا جدوى الحدود السياسية والتاريخية التي غالبا ما تعوقُ تواصل البشر وتآخيهم وإشاعة ثقافة السلم والسلام والحوار وتبادل الخبرات فيما بينهم.
    لقد استطاع باسم أن ينحتَ علامته الأدبية الخاصّة، فشعرُه جديد، يحتفي بالأماكن وبالآخر، يخاطبُ الأشجار والأنهار والأحجار والأطفال والشيّوخ والمعابد والحدائق والطيور أيضاً، وكيف لا يتحقّق له هذا وقد استطاع أن يجمعَ بين جغرافيا الرّوح وجغرافيا الأرض لتتعاشقَ الثقافات بين يديْه في كلّ ما يكتبُ وتسقط كل تلك الكليشيهات عن أفضلية أرضٍ دون أخرى، لأنّ الكونَ كلّه أصبحَ مسقط رأسه، بعد أن تصالح مع الأيام والأماكن وقال وداعا للحنين، ما دام قد وجدَ طريق السّفر الحقّ إلى حيث ذاك الملكوت الذي ينتفي فيه كلّ شيء، ولا يبقى أحد حاضرا سوى الإنسان عاريا من كلّ رسومه وتغشيّاته لا يجسّدُ ولا ينتصرُ لشيء سوى لذاك الجمال الجارح الذي لا يقوى أحد على النظر إليه من شدّة وهج الضّوء. أَولَيْسَ باسم فرات هو من قال:
    ((سرقتُكِ من ذاكرتي
    وعشتُ هُياماً في طيفكِ
    طفلٌ يدلقُ الجراح على نفسه ويغطّيها بالأملاح
    حاولتُ الهربَ منكِ
    وفي كلّ مرّةٍ أجدني أستعينُ بكِ عليّ
    على نزقي
    وهو يُفتّشُ في الغاباتِ
    عن طيورٍ هي أيضاً
    حاولتِ الهربَ من جموح أنوثتِكِ
    في دوّامة هيامي بكِ
    صرتُ أقشّرُ جنوني على المارّة
    أدلّ الحمامةَ على ابتسامتكِ
    لتعودَ وتُخبر النّاجين أن حياةً هُنا
    تتنزّهُ بين شفتيْنِ
    وعدَ اللهُ المؤمنينَ بها
    جنّاتٍ تجري فيها القُبَلُ.))؟!
    [من (أشهقُ بأسلافي وأبتسم)، صص 84-85].

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد فبراير 25, 2018 12:36 pm