حول ثقافة المبدعين

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 494
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    حول ثقافة المبدعين

    مُساهمة  Admin في الإثنين مارس 19, 2018 3:20 am


    لقد جرى مجرى السرديات في ثقافتنا التباهي بقراءة الإبداع؛ لا سيما الرواية. حتى أننا لم نتأمل خطورة هذا التباهي على انخفاض المستوى الثقافي والمعرفي عند كثير من شباب الأدباء، لأن المعرفة ضرورية لكل كاتب، سواء أكان كاتب إبداع أو ناقدًا أو محللاً للنصوص الأدبية وسواها.
    قراءة الإبداع لا تستفز العقل مثلما تفعل كتب الفكر وحفريات التاريخ واللغات والعقائد والثقافات عمومًا، لكنها تُشذّب اللغة وتُثري الـمُخيّلة، ويحتاج الكاتب الاثنين معًا، فلا يمكن لشاعر على سبيل المثال أن يجعل قصائده مترعة بالحميمية والعاطفة ويجعل قارئه يشعر بحرارة المفردات؛ إن لم يكن قارئًا جيدًا للإبداع.بينما الشاعر الذي يقضي وقته في قراءة الفلسفة والدراسات ويُشيح بوجهه تمامًا عن قراءة كتب الإبداع؛ فلا بدّ لنا أن نتلمس جبل الثلج في قصائده، لأن الفكر والحكمة والثقافة ستعلو على جسد القصيدة، فلا يبقى مكان للعاطفة، أو على الأقل تتراجع كثيرًا فتصبح قراءتنا ليست لقصيدة بل لقطعة أدبية فكرية ثقافية يغطي جبل الثلج فيها على ما سواه، وقد لا نبتعد عن الحقيقة كثيرًا حين نُشبّهها بالقصيدة التعليمية.
    يحتاج القارئ- والكاتب بالفطرة قارئ- إلى كم هائل من المعلومات، على أن تكون قراءة هذه المعلومات تؤدي إلى هضمها وتخزينها لتتسرب فنيًّا إلى النص الإبداعي، بلا استعراضات لغوية، وهذا يُحتّم على المبدع أن يكون قارئًا نهمًا لغير الإبداع، فإذا كَرَّسَ وقته لهذا المشروع أصبح منتجًا لنص إِبداعي عالي القيمة من الناحيتين الفنية والثقافية.
    بينما مَنيُكرس وقته لقراءة الإبداع ويشيح بوجهه عن كتب التاريخ والفكر وصنوف المعرفة الأخرى، سيجعلنا نستمتع بنص إبداعي تطغى عليه الموسيقى والغنائية ويكون شفافًا، لكنه في الغالب الأعم يفتقر إلى العمق، ويكون المعرفي فيه معدومًا، أي أنه نصّ غنائي وجداني أقرب إلى السطحية منه إلى العمق.
    من الناحية العلمية، لا يُعوّل على الإبداع لتبيان المعرفة، أي أنه ليس بإمكان الكاتب أن يتخذ من الرواية والشعر والقصة والمسرح؛ مراجع في تناوله لقضايا معرفية وتاريخية، باستثناء النصوص الإبداعية القديمة والتي تُعدّ وثائق تدل على البدايات الأولى للأدب أو الشعر، مثل نقش الإله عبادة في فلسطين والذي يُرجّح أن تاريخه ما بين 85 - 125 ميلادية، إذ هو أقدم وثيقة تضمنت مقطعًا شعريًّا موزونًا.أو تلك التي تدلّ على وجود قوم في إقليم أو منطقة أو مدينة، ومثال ذلك نقوش العربية الأولى، وهي النقوش التي وجدت في مدن أور ونِفّر وأبو الصلابيخ وعانة؛ بخط المسند؛ وتعود إلى القرون التاسع والثامن والسابع قبل الميلاد، وتكمن أهميتها في إثبات الوجود العربي في هذه المدن قبل الإسلام بأكثر من أربعة عشر قرنًا. بعبارة أخرى تكمن أهمية النصوص الأدبية في إثبات وجود لغة ما في منطقة ما وعراقتها ودورها الحضاري، وعدم وجودها وخلو منطقة ما من الشعراء والأدباء دليل نزوحهم الحديث، أي لا عراقة لهم فيها.
    أما أن يُعدَّ قارئ الإبداع مثقفًا فهذا زعم يحتاج إلى أدلة عديدة، لأن المثقف؛ بما هو صاحب منتج ثقافي؛ فشرط إبداعه أن يستند على أرضية معرفية عميقة تتحصل بالقراءات المتنوعة والتي يكون للفكر وحفريات المعرفة المتنوعة ثقلها الواضح فيه، لا أن تقتصر على قراءة الشعر والرواية والقصة والمسرحية وبقية الفنون الإبداعية ونقدها فقط.
    صحيفة العرب اللندنية
    صفحة رأي
    18 آذار 2018
    #باسم_فرات
    https://alarab.co.uk/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A8%D8%AF%D8%B9%D9%8A%D9%86

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 17, 2018 11:02 am