أنور عبدالعزيز: بين هيروشيما والموصل : ترانيم طائر المحّبة والحزن والحنين ...

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 493
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    أنور عبدالعزيز: بين هيروشيما والموصل : ترانيم طائر المحّبة والحزن والحنين ...

    مُساهمة  Admin في الأحد أكتوبر 24, 2010 4:16 am

    ديوان شعري لابد من الأحتفال به في سبع وستين صفحة في أثنتي عشرة قصيدة آخيرتها بلا عنوان ، من أصدار (دار أزمنة للنشر والتوزيع) بعّمان / الأردن ، لوحة الغلاف للفنان رافع الناصري وتصميم الغلاف : أرملة القاصّ الياس فركوح وكما مثبت على الغلاف ومن أصدارات كانون الثاني / 2002 وقد كتبت قصائد الديوان بين سنتي 1992 – 1999 في العراق والأردن ونيوزلندا .. وسبق أن نشرت له (دار ألواح) بمدريد ديوانه الأول : (أشدّ الهديل) وجاء في الأهداء : (الى جينيت ، هل نحن تناغم حضارتين ؟ والى أمي حتماً) . هذا ديوان وشعر فعلاً حتى في عناوين قصائده العنوان روح القصيدة وصار النقاد يطلقون عليه مصطلح : (ثريا النصَّ) وظلوا و ما يزالوان يناقشون مسألة العناوين وأهميتها ورموزها وتأثيرها كمدخل لعيون القرّاء وهاجس القراءة الجادة الباحثة المستكشفة في الأعماق بعيداً عن السطوح المكشوفة الجرداء القاحلة التي لاتروي ظمأ القارئ الحقيقي ويظل عطشاً في أن تطفيء حرائق الحياة المياه الفوارة الموّارة المتفجرة من ينابيع الوعي والمعرفة وثمرات التجارب القاسية المرّة التي اكتوى بها الشاعر.. وأرى أن بعض النقاد قد بالغ وغالى في تشكيل العنوان حتى أعتبره هو القصيدة وأهم منها ، قد تكون بعض العناوين مذهلة في كشوفاتها رغم أختصارها وقة عدد كلماتها أو طولها ، ولكن يظل (العنوان) واحداً من أسباب ابداعها أو خيبتها ... من عناوين الشاعر باسم فرات في (خريف المآذن) : (الى لغة الضوء أقود القناديل) وهذا مما يحفز وينبه القاري فرغم (لغة الضوء) فالشاعر لايبخل عليها بقناديل مضافة : (أي حكم يجفف طفولتي ، أي حلم يشق صباحاتي ، أنا الأخير في قافلة العزلة) ص9 (سلاماً عباءات الدموع التي هي تاريخنا بلا شك) ص11 (أنا بلا متع بلا أمجاد ، خذلتني أحلامي ، منعزلاً في أقصى الضياع ، ترثيني فاجعتي ، ويقودني حطامي) ص17 ، (أمي أشعلت ثلاثة عشر قنديلاً ، تؤثث لأنتظاري ، وعندما شاخت النوافذ بترقبها ، أنا أشعلت ما تبقى للرحيل) ص24 ومن عناوين التشاؤم : دُلني أيها السواد) (دلني ...، كيف أرسم بروقي فوق سريرك ، دلّني ، دلّني أيها السواد) ص29 شاعر قوي المواجهة مع وجع الغربة وموجعات الأيام ومرارة زمننا المعاصر ، ولكنه – وهذا ما يلاحظه القاريء بسهولة مع كل قصائد الديوان – في كل مواجهاته يجابه أقسى ما فيها بخزين من الحنان والحنين وعشق الحياة وزهوها وِأفراحها للأخرين قبل أن يتمناها لنفسه فهو واحد ضمن مجموع كبير في عالم الفاجعة واللاعدالة الأنسانية وشرور العالم – المتحضر وغير المتحضر – وفي كل زمان ومكان ...
    (الأبواب أطلقتني ، ولسعات صباحي ، البلاد فرّت من أصابعي) ص33 من يمسك بظله ؟ أخطاؤنا وطن يتكيء على حربه ، وأحلامنا تنمو على الشرفات) ص35 وفي قصيدة (عناق لايقطعه سوى القصف) والعنوان جميل نقرأ : مأخوذاً بما ستطلقه يداي ، من محّبة وذكريات جففها الحصار ، أيامي تتناسل سواداً ، ها أنا ذا ، أطلق المطر والخضرة من خريفي ، بينما الحروب تتفاقم فيّ) ص36 تأمل قارئي العزيز هذا المزيج وبإصرار من أمل انبثاق المطر والخضرة والحياة من خريف عمر الشاعر وعمر الحياة المدجّجة بالحروب والحصار والعدوان ..(بيدين منقوعتين بالنعناع ، تلوح لضيائي أن يقشر بحاره من الزبد ، وربما من السواحل) ص37 (البلاد خريف طويل ، سيل من الغثيان ، نهار يختبيء تحت القبعة ، وعلى صدرك تتفتح الأسئلة ، أغنّي للوردة ، بينما يحاصرني الحزن ، الوردة تفاؤل يترنم الشاعر بها رغم كل أحزانه وانكساراته فالوردة – شكلاً ورائحة عذبة – تمسح وتمحو ما علق بذات الشاعر من أدران دنياه .. أنا لم أفعل شيئاً – واعتقد أن غيري كذلك – بتقديم عدد أو أعداد من مجزوءات القصائد وسونتيات الشاعر ، فمثل هذا الفعل – مهما كانت المختارات والمجزوءات ذهبية – لغة وفي معانيها – فانها تظل ناقصة وقاصرة وعاجزة عن أيصال مقاصد وأهداف ورموز الشاعر الى المتلقي ، الذائقة النقدية عند القراء عموماً لاتتكامل الا بقراءة الديوان كله ، القراءة – كل قراءة – والكتاب – أي كتاب – (وخاصّة في مجال الشعر) لايعتبر مقروءاً في حالة تشرذمه الى (فقرات) و(مقاطع) و(كلمات) منفصله تهدر جهد الشاعر وتضيع أثره في نفوس القراء .. اكرّر الكتاب (وخاصّة الشعري منه) هو قصيدة واحدة في روح الشاعر وضميره – مهما تعددت عناوين القصائد – وهذه القصيدة الواحدة التي هي كل الديوان هي التي تجتاح ذائقة المتلقين ، لانها وباختصار هي عمر الشاعر وتجاربه الحياتية ونجاحاته – حياتياً وفنياً – والحالات الأليمة التي عاشها – راضياً بها أو رافضاً محتجاً عليها – الديوان هو عمر متكامل وليس أجزاء متناثرة ضائعه مضطربة في عاصفة من التيه والغفلة عن نفسه وبما يحيطه من مرارات الحياة وقليل من أفراحها ومسراتها (خريف المآذن) جدير بقراءة نقدية ذكية مرهفة ما دامت غالبية القصائد تبوح أو تخفي أحياناً أسرار وألغاز هذه الحياة بمتناقضاتها : رفاهية وترف وغرور وشرور ودفء وعافية ورخاء وتخمة مقابل : فقر وجوع وبراءة وقسوة برد العراء والتسول بجيوب فارغة وحزن مقيم ... التأمل سمة واضحة للديوان يجب أن تقابله قراءة تأملية ... أما التقييم أو التقويم النقدي التلقيدي وحتى الأكثر عصرية ومعاصرة فلن تجدي الشاعر ولاناقده ما دامت ذائقة القرّاء ومامات قد تحررت من عزلتها وتفسيراتها المجرّده للرموز والوقائع الحقيقية أو مما يطوف في خيالات الذاكرة المشعة النشييطة الواعيه والمنتبهة للظاهر وحتى المستور مما يقال . لاأدري هل أتوافق مع الشاعر والقرّاء تفاؤلاً أو تشاؤماً ؟! أم أظلّ – حالي حالهم – تائهاً في خواء الزمن الأبدي ؟! الديوان والشاعر وقراءتي له ربما لبعض هذه المواقف بأشارات واضحة أو خفيفة مخبوءة ..
    الديوان جدير بأصدارات (أزمنه) وهي جديرة بالشاعر وقصائده ، مثل هذه القصائد جديرة أيضاً أن يتحسسها القراء بكل جدية وهواجس حياتية تمثل الصدق والبراءة وعمق التناول والتفاعل مع أشكاليات الحياة الصعبة والمرّة لتظل راسخة بطروحاتها في ضمير القرّاء وهم يعايشون حياتهم بضراوة موحشة وبجفاف ولا عدالة في منزلقات أحزانهم الموجعة ... تأمل المقروء في هذا الديوان هي من مستحقات الشاعر على قرائه وبهذا فهو يحقق لهم أهم سببين في الأيصال والتواصل وكأي أدب – وخاصّة الشعر – لايصلان لنفوس القراء الا بهذين الشطرين : المتعة الروحية وعمق الفائدة الثقافية ، وهذا ما أستطاع الشاعر وديوانه أن يلاحظاه بجدارة تستحق التقدير – ولالتزامه بشروط الفن الشعري بتطوراته المتلاحقة في زمننا المعاصر .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 23, 2018 5:53 pm