عامر الربيعي: قراءة تلقٍ لثلاثة نصوص من مجموعة أنا ثانيةً

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 496
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    عامر الربيعي: قراءة تلقٍ لثلاثة نصوص من مجموعة أنا ثانيةً

    مُساهمة  Admin في الأحد أكتوبر 24, 2010 4:32 am

    قبل الولوج الى سفر باسم فرات الثاني (أنا ثانيةً)، تصطدم بلوحة الغلاف للفنان (مؤيد محسن)، إحتراق وذوبان الحاضر في مقدمة اللوحة والخلفية، رمز حضاري في جو مريب لا يختلف عن حاضر شخوص اللوحة.
    لمن لا يعرفه، يؤكد فرات أمرين، ألاول واضح المعاني والدلالة في (ما يغني عن الإهداء) تثبيت نسبه لأمه وأبيه، والثاني بتوالي تكرار مفردة حزن، مؤكداً مرة ثانية إنتسابه لأهله ولوطن الحزن الدائم (العراق)، هو يقدم منذ البدء بدايات الهموم والاحلام والطفولة.
    ليس لي أن أجعل من باسم عملاقاً شعرياً أو بطلاً يحمل نياشين وأوسمة، هذه قراءتي الأولى له، لم أجده سوى إنسان عراقي، ولد ومرارة الحنظل في فمه، وزمان من هموم، عذابات، انكسارات، أوسمة خيبة، فذكريات الألم تكاد تنفجر في قصيدة النثر، المسرح، التشكيل، لذا نبتدع لنا طرائق للتعبير عن عمق هذا الألم، وأحياناً شفعينا اللوذ بالصمت كصفة (محلية) ملازمة للذات.
    قراءة التلقي هذه لثلاث قصائد من أنا ثانية:
    الأولى تاريخ ميلاد فرات، الثانية والثالثة صورتان متباعدتان لبغداد مع مقاربة لتوالي الاحداث المؤلمة.

    • 1/3/1967
    حين قرأت هذا النص، وجدت أني أمام نص مونودراما، ينشر فيه صوره تباعاً لعوالمه / عوالمه، تبدأ حوارية النص: كمن يقف أمام مرآة او آخر، ليسرد حاله بتركيبة اجزاء الجسد ترتسم الهموم والذكريات بخطوط، العينان مذهولتان من فرط ما يجري، وشفتان تبحثان عن لحظة حب ربما لا تأتي، هي هموم حروب الغير.
    عنوان النص، هو تأريخ ميلاد ولادة مأساة جديدة، جفاف القلب والذاكرة المسحوقة، والزنازين وشموس منكسرة منعت احتجاجاته وصرخات جموحه من أن تصل:
    وصهيلي
    يسيل هو الاخر
    قبل ان يصل.
    هل الوصول الى الضفة أم للاله؟، يبدو أن علاقته بأمه هي إحدى إحتجاجاته، هي متشبثة به، وفرط حبها له ربما منحها تحسس الشظايا والالام، تتمنى الفرح له حين تهيل عليه الشمع والاس، دون النظر للحلم بزفة الشباب وعرسه الدموي الآتي، يعود ثانية الى جسمه وتحديداً:
    وتحت لساني
    نهران يهدران /
    أركض خلف موتي وجثتي تتبعني.
    هو جسد ميت متحرك، كخريف بلاده، يغني لوردة الفرح وهو يختنق بالحزن، ويمضي بمحاورة نفسه أو الاخر، ثريا النص تشير الى تاريخ ميلاد فرات، وفي النص تاريخ آخر هو 1980 حرب أخرى وإنكسار مكرر، ليعلن عن مشهد جديد مغاير في حركته مع الموت، في لعبة تبادل أدوار.
    بعد 1980 يتحول خطاب فرات الى صيغة الجمع بلسان الجمع:
    بدأت أعمارنا تسعل
    مرايانا.... مراياهم
    مشهدية قاتمة، حيث راية المخذولين ترفرف عاليا فوق نتف أفراح معدودة.
    ****
    بغداد 1.... بغداد 2
    نصان يؤرخان بغداد، اللحظة وقبل سنين، صورتان يختلف الزمن فيهما فيما تتوافق المآسي، النص الأول لحظة وداع وهروب من الأسى، وحلم بالعقيق والآس في الإشارة الى توق الذات الى الحب.
    النص الثاني يختزل صورة بغداد الان، بصرح معماري (ساعة القشلة) وهي تنهشها العقارب، ليعود الى الخلف بشكل غير منتظم موظفا التداخل التاريخي، معززاً صورة الغزاة (سليمان القانوني، الجنرال مود، هولاكو)، لذا يوظف فرات السرد التاريخي للعراق منذ الخليقة عبر التجوال في المسلات والمعابد والحروب وحركات التمرد والدين وكل الإنكسارات التي مر بها الوطن.
    لذا هذا النص جعلني أقارب بينه وبين نص (تاريخ الأسى) للشاعر طالب عبد العزيز، رغم الإختلاف المكاني والزماني للنصين، فبناء الصورة جعل من العراق هو بغداد وبغداد هي العراق.
    باسم فرات شاعر لا يشتغل على ذاته والمتلقي عبر لغة معقدة وصورة غامضة، بل فيها تجريبية، سهلة التلقي، عميقة الصور، بالغة الأثر، رثى بها نفسه، وطنه، منذ الخليقة.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 12, 2018 7:04 pm