صباح الانباري: باسم فرات ومراثي الأنا الجامحة

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 488
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    صباح الانباري: باسم فرات ومراثي الأنا الجامحة

    مُساهمة  Admin في الأحد أكتوبر 24, 2010 8:34 pm

    في مدينة، لم تقهرها القنبلة الذرية، حط رحال قصائده المدماة موزعاً حروفها النازفة بين (خريف المآذن) وبين أناه التي أدمنت التشظي والضياع
    في مدينة تشبه قصائده التي ضربت بالفواجع والمواجع وجبروت الهراوات والتفاهات لكنها في لحظة، توارت خارج طيش الموت
    استعادت نهاراتها الآفلة .
    في مدينة استعادت هيروشيميتها من بين ملايين الذرات العصية على المهادنة.
    في مدينة ورثت روحَ العنقاء أجنتها فانزاح من عليها خريف المآسي ليخفق جناحاها في فضاءات الجمال والكمال.. في هيروشيما وضع باسم فرات سندبادية قصائده ومراثيه على موطن جروحه المتناسلة مستذكراً ومسترجعاً سالف أيامه في كربلاءات الفواجع وبغداديات الرماد وإرهاصات المنافي.
    كل فكرة تبرق في فضائه الداخلي توقد شمعة لروح إختطفتها منه أبالسة الظلام.. ومع كل بريق تولد واحدة من مراثيه الحزينة.
    حط رحاله في الأقاصي فتبعته أصابع فرق الإعدام من مسرى الى مسرى، ومن منفى الى منفى. أحاطت بمناجاته أيدي الجلادين وافترشت حروفه أحواض التيزاب وأمطرت سماواته هراوات أمن طالت قسوتها براءات الجوعى وشواهق النخيل.. ذاكرة مشوشة بخراب يفضي الى خراب ؛ ودمار يفضي الى دمار ؛ وعويل يفضي الى عويل. يصرخ باسم بملء فيه:
    كفى تناسلا أيها الخراب
    في مدينة المآذن أطلق باسم فرات صرخته الأولى مندفعاً من ظلام الولادة الى ظلام الوجود.. أصغى منذ نعومة أظفاره لآذانات الفجر، وتكبيرات النهارات الغاربة، ونواح المواكب المفجوعة ببلاياها، وحداة الطف.
    ورث الحزن من أب مات دفاعاً عن جارته وأم رَمّلَها ذلك الدفاع فما كان أمام باسم إلا أن يعترف بذلك الإرث ومأساويته:
    أبي
    حزنٌ عتيقٌ
    أمي
    كتابُ الحزن
    حين فتحه أبي
    خرجت
    أنا
    أناه التي تلاطمت فضاءاتها، بموج الفرات وغضبه وعتوه الذي لم تهدهده حتى أغنيات دجلة الحنون، خوفاً وترقباً وتوجساً وهواجس لم تدع له فرصة المكوث الطويل على مقاعد الدراسة. أسره الشعر فدخل الى ملكوته مدرعاً بالحلم والأمنيات التي أفضت به الى كتابة قصيدته الأولى عن طفولته البائسة.. أصدر ديواناً بنسخة واحدة وبخط يده فوضع خطوته الأولى على طريق الشعر المحفوفة بمكابدات الإبداع والصراع.. أمطرته الحروف بوابل من القصائد فما كان له إلا أن يحكم عليها بالإقامة الجبرية داخل ديوانه خريف المآذن.
    في (خريف المآذن) تماثلت أناه مع المكان.. تماهت فيه.. توحدت معه فانصهرا في تمظهرهما لكنه نحّى ذلك التماثل والتماهي والإنصهار ليؤسس ذاتاً منعزلة قائمة على خراب طالها بعد أن توطنت آثاره في شعاب روحه المضطرب
    أنا وبغداد
    نجلس معا على شاطئ نعرفه
    نحتسي خرابنا
    في قصيدة الديوان الأولى (الى لغةِ الضوء أقود القناديل) تطرح الأنا نفسها كحالة أخيرة في قافلة عزلة عمقها بمفردات إشتغلت على ترويضها من داخل القصيدة فاكتست صفاتها بسحنات ذلك الترويض جاعلة من البراءة عزلاء، ومن شهوة الأرخبيلات فضاءات تضيق بهن القصائد، ومع ذلك لا تتبجح أناه أبداً أمام الوجود الهش للمكان لكنها تدافع عن نفسها لتبدو خطاياها وكأنها محصلة إرث من الإنهيارات والسوءات الطويلة:
    أبي خطأ يتناسل
    أمي خطأ ينتظر خطأ من أجل خطأ
    أنا خطأ يعدّ الخطى فيخطأ
    إعتراف لا يفضي الى الفضيلة، ولا يلغي، بأي شكل من الاشكال، ما سبقه من إدعاءات الأنا المتبجحة بمعريتها "أنا الأخير في قافلة العزلة" ولا يستبعد كبرياءها التي طالت كل القداسات لتفتح أمامها شطحات النبوة "أنا جنة نفسي وقيامتها " ودون أن تعبأ بالخلود أو الأفول لتضخم حجم تميزها في وجود شعري أسسه على القداسة كي لا تنال الدنايا، يوما ما، من طهرها القدسي وكي لا تفوت عليه فرصة قيادة القناديل الى لغة الضوء وصوفيتها الفراتية الخالصة. هذه الأنا المتبجحة سرعان ما تشعر بإحباطاتها وإندحاراتها فتتمسك ببعض ما تبقى لها من تواضع الصوفي وتجلياته وإشراقاته فتركن نفسها الى الإعتراف جهاراً:
    أنا بلا متع بلا أمجاد
    خذلتني أحلامي
    منعزلاً في أقصى الضياع
    ترثيني فاجعتي
    ويقودني حطامي
    وبهذا يعجز أن يرسم صورة لبغداده دون أن يشوه ملامحها أزيز المدافع وتلصص الطائرات. عجز يغلف حياته بالحداد الطويل ويجعله مستهدفاً كنقطة إرتكاز تتأسس عليها حيوات مزدحمة بالهزائم والإندحارات. هكذا حين تعشق روح العراقي تراب بغدادها تهيل على نفسها تبر أمجادها المستباح وإذ تنهض ثانية فإنها تعاود إستكبارها وثقتها وشعورها بالتفرد والوحدانية "أنا والله وحيدان" وتأكيداً على أبدية الأنا المطلقة يقول "ثمة أبدية تستظل بي".
    إن تأرجح الأنا بين شعورها المتذبذب، غير المتوازن، بالخذلان وبين سعيها الحثيث لتحقيق درجة من التوازن تلغي ذلك التذبذب وتشي بحقيقة إن باسم فرات قد رأى من أهوال المكان ما يكفي ليفقده التوازن بدءاً من فاجعة الطف، والطف هنا مكان يختزن طاقة فكرية وشعرية، وإنتهاء برماد بغداد، وبغداد هنا مكان أيضاً، هذه الأمكنة إنصهرت في بعضها مكونة ذاتاً فجائعية متماهية في ذات الشاعر وملتصقة به بحميمية أكدها في أغلب قصائده. ففي قصيدة (جنوب مطلق) يقول:
    كلما أستلقي يحاذيني الفرات
    ماداً لي أحلامه
    ويقول أيضاً:
    كل ليلة نقيم حفلة لدجلة في أقصى جنوب الجنوب
    لا جنوب ورائي لأصيح: هنا بلادي
    ولا جنوب أمامي لأتلمس لي منفذا إليه
    أنا الجنوب المطلق.
    وبهذا الاعلان الأخير يكون توحدهما قد وصل الى أقصاه ومبتغاه ولامس من حيث شعوره الباطني مكمنه الصوفي. ونتيجة لهذا فإن كل الفواجع التي خلفتها الأمكنة وعبرت عن نفسها عبر مراثيه الكثيرة والأثيرة ذابت في شخصيته مشكلة أنا جديدة هي أنا باسم فرات التي اختطت لها إسلوبا شعرياً خاصاً عرف وسوف يعرف به باسم كشاعر من طراز متميز.
    خاتمة الديوان قصيدته (1 ــ 3 ــ 1967) التي إختتم بها خريف مآذنه الطويل وابتدأ بها ديوانه الجديد (أنا ثانية) وكأني به يريد التأكيد على أن ديوانه هذا ومراثيه إنما هو إمتداد لديوانه السابق ومراثيه. لقد طرح لنا أناه "ثانية" كما رآها في خريف المآذن فتمظهرت محملة باندحاراتها وإنكساراتها وأيامها السود. وتمظهر المكان مجللا بخريف طويل ومجندلا بسيل من الغثيان ومشدوداً بصباحات المخافر ومصادرات الحرية:
    أنا باسم فرات... يا الله... أتعرفني؟!
    المخافر موشومة على جلدي
    وأمي لم تلتفت للشظايا
    حين مشطت صباي
    فأهالت الشمع والآس فوق صباحي
    ما الذي تغير إذن؟ وأي تحديث طال أناه في (أنا ثانيةً)؟
    لقد أفرغ باسم فرات ما في جعبته من هموم وشجون وفواجع استوعبتها قصائد (خريف المآذن) فتحولت مراثيه الطويلة الى هدهدات قصيرة مسهدة وحنون هدهدت الجراح فغفت في سلة النسيان.
    قد يبدو لك باسم في ديوانه الجديد مختلفاً ظاهرياً وهذا متأت من تخفيف حدة الشعور بفجائعية حياته الجديدة بعد أن ابتعد مسافة كافية عن فجائعية كربلاءاته، ولكنه باطنياً ظل يجتر من ماضيه هموم الوطن ومن حاضره شجون المنافي. لقد اشتغل في هذه المرحلة على سعة العبارة فاختزلت كل قصيدة تجربتها الواسعة ضمن مساحة صغيرة مكثفة صورها الشعرية لتلامس الجوهري في المعنى بعد أن كانت تصول بين بلاغة التعبير وجزالة اللغة وسمو الحرف وترادف الاستطرادات وتداعي الأفكار.
    إن باسم في ديوانه الجديد صار أكثر انشغالاً بهموم الغربة والمنافي من انشغاله بكربلائياته ومنافيه داخل الوطن. وهذا التبدل في الأمكنة تزامن معه تبدل في أنا الشاعر الجامحة، يقول في قصيدة (الجنوبي) التي تشي بحاجة باسم الى أصدقائه:
    يا صديق المنافي
    كيف انزلقت من بين جفنيك
    البلاد عارية.
    و يضع القصيدة في سبع مقاطع، كل مقطع منها يحمل حرفاً من حروف اسم صديقه التي تشكل في مجموعها (حسن مجيد) أو (السيد الشريد) كما جاء في المقطع الثاني (س) ولأن باسم يتقاسم المنفى مع نفسه أو مع أصدقائه فهو يدعوهم الى أن يَدَعوا كل شيء مقابل أن يستظلوا معه تحت شجرة الشعر الوارفة. وكأني به يريد التخلص من اثار الماضي ومكابداته ثم يؤكد ذلك في قصيدة عزلة عندما يصدر أوامره بالترجل والإبتعاد.
    ترجلي عن صهوة آلامي
    بعيداً
    بعيداً
    بعيدا.
    و في قصيدة (برتبة منكسر) يثبت إعترافه باللجوء "نعم أنا لاجئ" وفي لجوئه تتداعى صور صفعات رجال الأمن وارث انخذاله وسنوات الجوع وندى المآذن وإستغاثات الأصدقاء كي تنصهر كلها في مدينة لها طعم الفجيعة الذي هو نفسه طعم طف العراق:
    احتضن الطف هيروشيما
    وفي هذا الاحتضان إختزال كبير لمكانين مختلفين طوبوغرافياً ومتشابهين فجائعياً. وهنا تندمج هموم الأمكنة وتنصهر في بعضها مؤثرة في أناه ومشكلة إياها بهيئة جديدة فيها شيء من المغايرة وشيء من هدوء النفس وإستقرار المشاعر المتأججة. ومع هذا تظل أناه مرتبطة بالماضي وحاملة إرثه الثقيل وجرحه النازف. لنقرأ قصيدة باسم (أنا) ونتلمس موجهاتها الجديدة:
    أبي
    دماؤك
    التي سالت على الجدران
    على السطوح
    المنائر
    النواقيس
    في الغابات
    في البحار
    سالت على السماوات السبع
    على الارضين
    دماؤك
    التي منذ ثلاثين ألماً ونيفاً
    تنزف
    أنا
    إن أول ما يلفت الانتباه في هذه القصيدة، كما هو حال قصائد الديوان الاخرى، هو التكثيف والايجاز والاختصار المتزامن مع توسع العبارة وانفتاح القصيدة على فضاءات ومديات المعاني الظاهرة لاستنباط واستقراء آفاقها الباطنية فيما وراء الكلمات وفيما وراء القصيدة. بمعنى انها اشتغلت على البوح والكشف الديناميين عن جوانية معنى القصيدة آنياً واستراتيجياً، واذا حللنا القصيدة تحليلا تقليديا فاننا نصل بلا شك الى معرفة منظومتها الرمزية ومكمن دلالة تلك الرمزية:
    أبي: هو الماضي والتاريخ والارث.
    دماؤك التي سالت: هي اشارة الى نزف تاريخي موروث من الماضي ومنتشر على الأمكنة الأرضية منها والسماوية
    تنزف: اشارة الى استمرار النزيف الدموي الذي لم يتوقف على مر التاريخ
    أنا: اشارة اكيدة الى استمرار النزف حتى وقت وجود الأنا ودليل على مواصلة النزف من الماضي الى الحاضر
    الأنا إذن تلغي انفرادها ووحدانيتها وتتداخل منصهرة مع أنا الماضي وأنا التاريخ وأنا الحاضر. فهي اذن أنا جمعية معبر عنها بأنا الشاعر الذي شهد ازمنة الدم كلها وهي انا عراقية اصيلة تقدم القداسة لتموزها البابلي
    قداس لتموز البابلي
    على كتفيك مواويل نخل ودموع آس
    في هذين البيتين تكاد كل المفردات تشي بعراقية الأنا بدءا من طقوس ديموزي أو تحديداً من تموز البابلي وفي هذا إمتداد انثربولوجي واضح، ومروراً بالمواويل التي عرف بها مطربو العراق وإرتباط هذه المواويل بالنخلة التي هي شجرة العراق الوطنية ثم الدموع التي تختزن حزن العراقيين على مدى تاريخهم المأساوي الطويل ووصولا الى الآس الذي يستخدمه العراقيون لتأبين أرواح موتاهم. ومع أن هذه الأنا قد توزعت بين أرض السواد (العراق) وأرض إيوي (نيوزيلندا) إلا أنها لم تخلد الى الراحة أبدا إذ لم ترمِ لها أرض السواد بسعفها وكلكامشها ولا أرض إيوي بطمأنينتها. وهذا هو ديدنها الفراتي الجامح.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أبريل 25, 2018 7:49 pm