حسين الهاشمي: شعرية المحنة .. والنزوع إلى صدمة المكاشفة

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 490
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    حسين الهاشمي: شعرية المحنة .. والنزوع إلى صدمة المكاشفة

    مُساهمة  Admin في الأحد أكتوبر 24, 2010 9:53 pm

    هل ثمة تعويض يمنحه الاشتباك الخفي، بين ألذات المقهورة، والوقائع التي تمثّل سجلاً عارياً في الوجدان الشعري، وهل يمثّل هذا التعويض، المسعى النهائي أحياناً لقابلية الصورة على فضح المكنونات السرية التي لم تعد سوى مواقع دفاعية، بوجه محنة الدهم التاريخي والسياسي والاجتماعي؟ تلك المحنة التي تعني أن المواجهات الطويلة بين الذات الشعرية والوقائع المباشرة خارجها، تولّد أحياناً، نزوعاً لغوياً نحو الانبساط أو المكاشفة، بوصفها صدمة تبحث عن تعويض وجداني , لا تمنحه سوى الكتابة تحت سقف عار مدجج بالنزيف والخراب والأسى .
    قد يمثّل هذا الاستهلال الموجز والمتسائل , ممرا أوليا لقراءة نصوص شاعر أراد أن ( يشد الهديل ) ب( خريف مآذنه ) , كضرب من ضروب احتجاجاته الوجدانية , أو مكاشفاته الشعرية التي يتناغم فيها هذا النفوذ مع نفوذ السرفات التي تسحق الذاكرة والزنازين التي تسحق الجسد

    (( لا أدنو لكن قلبي يجف
    السرفات سحقت ذاكرتي
    والزنازين جعلتني قميصا متهرئا )) ص 64 _ خريف المآذن _


    من هنا يبدو مؤشر الكتابة وكأنه ينقاد وفق آليات _ سيرية _ مدعومة بحس خاص , يتنقّل بين مفرداته الطليقة وهي تدوّن ذلك النزوع الإنساني المتضمخ بالمفارقة , إلى استدراج ما تدلّ عليه تلك التفاويم السيرية من مفارقة دالّة , تكشف عن طبيعة العلاقة المراقبة والمهزومة أيضا , بين عزلة الشاعر ومحيط المحنه , بزمنه الضاغط بحماقاته , والفاجع حتى حدود الإحساس بالممسوخ


    (( منذ نزهة الحرب الأولى
    أعني حماقة الجنرال
    دخلت المدينة
    مثل كلب
    تعوي بوجهه البيوت )) ص 34

    هذا المستوى من التأسي , هو الذي يخلق أحيانا صورته المفارقة التي تبحث عن التعويض المنشود للذات البريئة المسحوقة , حين تكشف عن هيأة المحنة التي تداهمها تلك الذات , كصورة من صور الادانة الصريحة لنجاسة الحروب ومخلّفاتها

    (( طفولتي التي سخّمها الفقر واليتم
    ها هي تمد لسانها ساخرة مني
    بعدما
    سخّمت حياتي الحروب ))

    إذن هي تقاويم الحروب التي تشكّل في مفردات الشاعر, بنية استنفار ونكوص في آن معا , كي تكشف عن علامة فارقة , لا سيما في _ خريف المآذن _ , هذه البنية التي تجتر من( الوثيقة) مبررات نزوعها ألاتصالي بالخيال (( كقوة معبأة , قابلة للموت )) أو مبررات رفع الأنقاض عن هذا الخيال _ كما في تعبير رولان بارت _ , إنها مهمة تحريك المشهد اليومي من وسطه العائم , في محاولة لدمج المستوى الحسّي النشط , بمستويات التوليد اللغوي , وكأن الشاعر لا يريد الاكتفاء بجاهزية الموضوع , وإنما الانتقال به إلى حدود التوهج الصوري , وبلا افتعال أو تعثّر في الانسياب النصّي أو ألبنائي

    (( لا ترحلي بعيدا
    لألم شظاياي
    من حفرة في الغيوم
    وأوزع سنواتي على الصحف
    سنواتي المجفّفة كالزبيب ))

    أو كما في هذه الصورة المكثفة والصادمة :
    (( أركض خلف موتي
    وجثتي تتبعني .. )) ص 65 _ خريف المآذن _

    من خلال كل هذا , لا يمكن قراءة نصوص الشاعر بعيدا عن نفوذ _ المكان _ أو سطوته الخاصة على ممتلكات ألذات الشعرية , حيث يصبح المكان مسرحا وجدانيا موغلا في المكاشفة , ومنطلقا لترسيم العلاقة المتداخلة بين المحنة بوصفها _ خريفا _ يحاصر الطقوس الفردية الباحثة عن القداسة .. عن الموروث البريء لطفولة الأشياء من حوله , وبين المكان الذي يطل على الخراب والإثم , مثلما يطل على الآفاق و_ هديل _ الأمنيات التي أشاخها الانتظار , من فرط التواريخ التي تنزّ أسى ودماء, فالمكان هنا يصبح مناسبة مهمة لدمج معطيات المكون التاريخي والطقوسي العام والمتجذر في بنية هذا المكان ( كمحنة ) تتواصل في جريانها , أو كصدمة تتوالد في المنولوج الداخلي للشاعر:

    (( حملوا رأسي
    فوق حراب بنادقهم
    وساروا في المدن
    فكانوا عورة التاريخ )) _ أشد الهديل _ المقام السادس
    وحين يكون لهذا المكان شروطه الخارجة عن التوصيف السطحي , ينمو غصن القصيدة الذي يجسّ ما حوله من تداعيات تتشابك مع بعضها ليلتفّ ك ( سور )من الانثيالات الحسيّة والوجدانية , حول فعل المراقبة التي يؤديها الشاعر , سواء أكانت هذه المراقبة نزوعا داخليا لاستكنا ه روح الأشياء المتوثبة على السطح , أو لجوءا عاطفيا يكشف عن صورة التداخل الوثيقة , بين تاريخ ألذات وروح المكان , إذ (( لا تاريخ إلا تاريخ الروح )) _ كما يعبر سان جون بيرس _..

    (( أبلّ صمتي بخريف المآذن
    فينهمر الكلام
    طفولتي أدونها في ساحة الحرمين
    لكنني أنسى صباي
    يترع العباءات في باب القبلة
    وسنواتي في تل الزينبية
    تلهو بالمسابح والعقيق ))

    وبذا تتنقل مستويات البوح لدى الشاعر باسم فرات على نحو طقوسي خاص مشبّع بروح المكان وقدسيته المهيمنة على مناخ الصورة كمسعى من مساعي التعويض عن الخسائر التي لحقت بالشاعر وتاريخه الشخصي والسري, جرّاء هذا الاشتباك الدائم بين ألذات والوقائع التي تمثل _ دهما _ تاريخيا وسياسيا واجتماعيا للموقع الفطرية الآمنة لمقامات الشاعر الروحية والسايكلوجية

    (( أخلع جسدي قبل أن أصل
    أسوار افترشت الحجر الكر بلائي
    وتاريخ ينزّّ أسى ودم ..

    حدادها أشد حلكة
    من شيخوخة الدهر
    وأخرى تصفو من الحزن والبرد
    عباءات تكنس الغزاة
    فيطعنها ضابط الأمن )) ص65 _ خريف المآذن _ ...

    ألهذا يمكن اعتبار مغامرة الشاعر في اختراق جنون اليومي ومحاولة تجريده من الأغطية الثقيلة, مسعى فرديا لاختراق حدود المسكوت عنه , حين تصبح الحرية نزوعا للكتابة التي تبحث عن مسرب ما , وسط كثافة الإحساس الثقيل بالقمع , العزلة , الرثاء , الأسئلة , الأخطاء , الحنين , المنافي , الضياع , الانتظار , الطفولة , الأحلام , ... كل ذلك وغيره من الشتات الإنساني الذي ترزح تحته مغامرة الكتابة عند حدود المكان الذي يتحول إلى ما يشبه _ الفم _ الذي يبتلع كل شيء, فيستحيل إلى صدمة للمكاشفة في القاموس السري للشاعر

    (( الحروف في بيتي
    لكن القصيدة تتهيكل
    من أعطى المدينة هذا الفم
    لتبتلع القصائد والحقول
    فلا أجد مسربا للحرية ............ ))



    ( أشد الهديل ) للشاعر باسم فرات / 1999م / دار ألواح _ مدريد
    (خريف المآذن ) باسم فرات / 2002 م / دار أزمنة / الأردن


    شاعروكاتب من العراق

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت يوليو 21, 2018 3:57 am