حسن عبد راضي: باسم فرات. . غبار الحرب الذي يجلل التجربة

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 488
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    حسن عبد راضي: باسم فرات. . غبار الحرب الذي يجلل التجربة

    مُساهمة  Admin في الأحد أكتوبر 24, 2010 10:15 pm

    لاتخطئ العين آثار الحروب في تجربة الشاعر باسم فرات، هذا الشاعر الذي طحنت الغربة روحه بعد أن أخذت منها الحروب والمجاعات ما أخذت.. ما الذي يبقى من الشاعر غير غبار التجربة.. قسوتها ومرارتها.. ولذة استعادتها في مخاض شعري متواصل.. ثمة سؤال أو أسئلة قد تتبادر هنا: هل لشاعر عراقي محمّل بكل الحساسية التاريخية المتوارثة عبر أجيال الشعر أن يتجاوز كل هذا؟ أن يكتب نصاً بمداد آخر غير دمه؟ أن يكون ككل الآخرين الذين يعيشون وسط عالم متوازن من التضادات.. الأحزان تجد أفراحاً تقابلها.. الخيبات يسقيها الأمل فتخضوضر.. الحب غالباً ما يكون حاضراً وليس نقيضته: الحرب، التي تحضر مع الشعراء العراقيين؟
    أكان ممكناً أن نكون غير ما نحن عليه؟ أكان لباسم أن يكتب متأثراً شعراء بيئته ولغته الجديدة، منقطعاً عن تراث الآلام العظيم الذي يثقل كاهله؟ وهل لو فعل ذلك لكان بلغ حافة الخلاص.. بالتخفف من أحمال الماضي المرهقة..؟
    هل الأفضل أن نكتب كثيراً على خلفية من معاناتنا الطويلة؟ وأن تظل أزماتنا الروحية الناجمة عن وضعنا الإنساني هي مادة كتابتنا؟ وحتى متى؟ أم الأفضل هو تجاوز كل شيء والانطلاق من لحظة صفر غير مسمّاة؟
    لست مع إجابة محددة، ولعل الأمر ليس اختيارياً، فالكتابة تكاد تكون قضية قدرية، ومثلما لا نختار اقدرانا، فنحن لا نختار ما نكتب تماماً، لكن من المهم هنا أن أؤشر أن تجربة باسم في دواوينه الثلاثة تشبه في نظري مياهاً جوفية تسربت من مكان ما في العالم، لكنها نبعت في مكان آخر.. محملة بكل الطين والملح والروائح والأحزان التي تميز (دهلة) شطوط العراق..
    كيف لي أن أترك نسياني
    يوزّع ذكرياتِهِِ باتجاه الألم
    ولا يصرخ: يا بلاد استرجعيني
    إنه يصارع النسيان، يختزن الألم لكي يبقى حياً.. لكأن الألم مادة حياة، ونسغ بقاء، ومثلما يترك المرض مناعته في الجسد، تترك التجارب المريرة مناعة ضدها:
    أرمّم قلبي بيدٍ وبالأخرى أتدارك الوردة من الهذيان
    أتدارك الشرفات من السقوط في مستنقع حافلٍ بالسماء
    وتستمر الذاكرة في الاتصال بخزين الماضي من التجارب السود.. الحرب تقف هناك في المقدمة من كل شيء، وتحتكر كل الحزن والأسى الممكنين، وتستقبل ضحاياها الممسوسين بالحب:
    كيف أرسلوك للحرب وأنت مصفّد بالحبّ
    أو:
    تستغفلني الحرب، فتكنسُ أفراحي
    أعود إلى أسئلتي الأولى: هل نكتب الحرب ثانية؟ هل نخوضها على الورق في إسترجاع مرضي كعادة سرية؟ أم هل نتركها تذهب هكذا بلا معنى؟ مع أنها تحمل المعاني كلها ولا معنى لها هي تحديداً! كيف يمكننا أن نكتب من دون أن نتقادم؟ أعني هل نستطيع أن نكتب لمن سيقرأوننا بعد مائة سنة؟ وهل سنكون جديرين بالقراءة حينذاك؟ لقد عشنا أكثر التجارب إيلاماً وقسوة، وهي مع ذلك أكثرها غنىً وعمقاً.. ليس ثمة ما هو أعمق من الموت، ولا طريق أسرع إليه من الحرب، وقد يواجه الإنسان أي أزمة، لكنه يجد نفسه ممحواً أمام أزمة الحرب التي تحوله إلى رقم غير منظور في حساباتها، وتستهين بكل قيمة عليا يمكن أن تخطر في بال السلام والتقدم.. الحرب آلة جهنمية.. ولذلك هل لنا بد من مواجهتها؟ ثم أليس على الناجين منها، الخارجين من تحت سرفاتها أن يرووا ما حدث، أن يضعوا تجاربهم في متناول الرؤية.. وأن يتركوا للآخرين حق نفي الحرب خارج التاريخ إذا تعذر إعدامها.
    باسم فرات في نصوصه يجعل كل الأسئلة ممكنة، بل لعل نصوصه هي أسئلة وجود معذب، وهي في الوقت عينه احتجاجات صارخة على تعاسة الإنسان وهو يعبر صحراء كينونته، متردداً كالمكوك بين أنانية مفرطة تسلك الإنسان مع الشياطين، وبين ملائكية الإنسان في الحب والسلام والخير الممكنة جداً في جوانب كثيرة من العالم:
    أُغني للوردة
    بينما يحاصرني الحزن.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أبريل 25, 2018 7:47 pm