عبد الكريم كاظم: ثنائية المعنى والعاطفة .. فضاء حركة وحياة

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 488
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    عبد الكريم كاظم: ثنائية المعنى والعاطفة .. فضاء حركة وحياة

    مُساهمة  Admin في الأحد أكتوبر 24, 2010 10:34 pm

    قراءة في "أنا ثانيةًًً"
    بعد كل ما منيت به من خسائر فادحة
    وجروح دامية
    في حروب حياتي الماضية
    فكرت كم أنا معرض للعطب
    لذلك جلست أتأمل ما يمكن أن أفعله بنفسي
    لأرمم خرائب روحي
    من قصيدة: "أريد أن أغير نفسي" لفاضل العزاوي
    ثنائية المعنى والعاطفة. .
    تمتاز قصائد "أنا ثانية" الاصدار الشعري الجديد لشاعرنا العراقي المقيم في هيروشيما باسم فرات بغنائية شفافة على قدر كبير من الاختزال بعبارات تتجاوز دلالتها دلالة المنطوق الشعري خاصة في السياقات الذاتية للشعر التي لا تخرجها عن نطاق الأنا حيث وعى الشاعر مشاكل وطنه وعبر عنها بمعاناة حقيقية صادقة مثلما بدا لنا أكثر إحساساً بالتصدعات والهزائم والانهيارات المتلاطمة المتلاحقة التي عرفتها حقبة الثمانينات ـ التسعينات، فهي بقدر ما أثارت من تساؤلات، بقدر ما دعت شاعراً مثله إلى البحث عن أمكنة أخرى لا ليجعلها مقاماً له بل وبدرجة أساس لتكون هي ذاتها نمط إنتاج تلك التصدعات ـ شعرياً ـ التي افرزتها تلك الحقبة وما نتج عنها من خيبات الأمل لذلك كانت نتاجاته الشعرية بمعظمها مقهورة ومقموعة مع إحساس عميق وصادق بما تعرض له، ومجايليه، من حروب وكوارث وويلات تركت أثرها المفجع في نصوصه، فإذا به يبحث عن أحلامه المفقودة بعد إستغراق في التأمل أو الموت عن حياته بالشعر وتحت ظلاله الوارفة كما يقول، وكانت بداية ذلك في مجموعته الأولى "أشد الهديل" الصادرة عن دار الواح ـ 1999 مروراً بخريف المآذن الصادر عن دار أزمنة ـ عَماّن ـ 2002 وانتهاءً بإصداره الجديد ـ منشورات بابل ـ 2006 موضوع القراءة.
    يقدم الشاعر مجموعته بعبارات شعرية تغنيه عن الإهداء، حسب قوله، وكأن شيئاً من الظن يخالجنا بأن عنوان المجموعة الشعرية يأتي في مقدمة الأشياء المفرطة الذاتية التي عزم أن يضعنا أمامها مأخوذاً بالرثاء مرة وبالحكم الشعري القاطع وكأنه يريد بنا، أيضاً، أن نستعيد هذه العبارة مع بعض التحوير.. لا إكراه في الشعر أوفي القراءة، لأننا نعلم أن الشاعر قد برر ذلك في متن المجموعة ويمكن النظر في ذلك وهو يهم بالقول (ما يغني عن الاهداء) :
    أبي
    حزن عتيقٌ
    أمي
    كتاب الحزن
    حين فتحه أبي
    خرجتُ
    أنا
    ولكننا نعلم في الوقت نفسه، بسبب حرصه الشديد المخلص للشعر، حنقه الواقعي وهو يؤكد لنا أو يحاصرنا بمرثياته/غنائياته وهذه الحالة في الحقيقة ترجع إلى ثنائية المعنى والعاطفة أو المدلول العقلي والعفوية الوجدانية وهي ثنائية قد تبدو صحيحة ومبررة في نصوص هذه المجموعة خصوصاً حين تتعانق المعاني والأحاسيس والأفكار والعواطف وصولاً لتلك الخسارات المتراكمة التي تتحول بأصالة التجربة وصدقها وبروعة الصور الحسية المستخدمة في التعبير الشعري إلى وحدة دلالية كلية نابعة من تراكم التجربة ذاتها التي تقودنا بتلقائية إلى سياق النص الذي يجعلنا بدوره تلمس مجموعة من الحقائق الشعرية الدالة أو التجارب الذاتية الملموسة التي لا يمكن للقارىء أن يتجاهلها إذا ما أراد أن يأخذ بعين الاعتبار كل مستويات المعنى والعاطفة، لنقرأ هذا المقطع من قصيدته التي تحمل هذا التأريخ 1/3/1967 عنواناً لها:
    أنت لا تدركين
    ماذا يعني أن نترك قبلاتنا
    فوق الرخام
    وينزلق الهواء بين ركبتينا
    من يمسك بالصدفة يمسك بكل شيء
    منذ أصداره الشعري الأول أحدث باسم، ولا ننكر، تحولاً في شعره.. أعني في رومانسيته بالضبط، فبعد أن كانت رومانسيته تعبيراً عن انفعالاته بالواقع المحاصر بالخوف والموت والبؤس أصبحت هذه الرومانسية تعبيراً عن أزمته الذاتية وأزمة فريق كبير من جيل الشعراء والمثقفين الذين أزدهرت أسماؤهم في المنفى، فهناك أعراض نزعة ذاتية تحولت عند بعض الشعراء إلى نوع من الأزمة التي ربما صح أن نسميها أزمة تمزق روحي، ويظهر هذا التمزق على السطح ـ اعني نتاجاتهم ـ وكأنه انعكاف على الذات وانعزال عن قسوة الحياة.. وإذا كان لابّد من تسمية هذه الأعراض بأنها ظاهرة رومانسية، فليكن كذلك، ولكن على نحو ما يقول الفرنسي شاتوبريان: (أن الرومانسية لا تظهر إلا إذا كانت هناك احباطات كثيرة أو عقبات كبيرة داخل المجتمع) ثمة من يقول بمنتهى البساطة.. أن تيار الرومانسية قد انحسر، غير أن الواضح للعيان أن ظهوره هذه الأيام في شعر البعض من الشعراء العراقيين ليس إلا مظهراً من مظاهر الصراع الدامي الذي يعتمل في قلب هذه الحياة هنا (المنفى) وهناك (الوطن) لنقرأ هذه القصيدة بدلالة العنوان (طين المحبة) وما ذهبنا إليه في قراءتنا التزامنية لنصوصه السابقة التي تقع في باب القراءة الإسقاطية بحدودها المعروفة:
    المساءات المليئة
    بنفايات الحروب تطرق بابي عمداً
    أستلُّ من أفقي
    أفقاً آخر
    وأرسم بالحسرات
    ما يشتهي الطير من السماء
    أُدونُ طين المحبة
    حذراً ان ترصدني طعناتُ
    من مسحت عن إزارهم الخوف
    آويت أحزانهم فرموني بوشاياتهم
    ومع هذا نقول: إن النص الشعري لدى باسم هو كلٌّ معقد لا يمكن اختزاله إلى مجرد وصف للذات أو الأمكنة أو حتى الأحداث فهو فضاء حركة وحياة ـ رغم النبرة الرثائية العالية المستمدة بشكل أخص من طابعها الرومانسي ـ وبؤرة للتفاعل الروحي كما إنه يسجل حركيته ـ في بعض الإشارات ـ عبر الحواس بحيث ينعكس ذلك على الحالة النفسية للشاعر اثناء عملية الكتابة، فهو في ذلك لا يتوسل النص بل اللغة المكونة له التي تغدو بها الكلمات نوعاً من لغة شعرية مفتوحة تتعلق بمجمل حياة الشاعر وتداخلاتها، وسأكتفي هنا ببعض هذه المقاطع المختارة من المجموعة التي تندرج في هذا السياق من القراءة التي تستوعب كل الحالات الدراماتيكية أو المستحدثات التي لا تزال تحصل في بلادنا حتى هذا اليوم:
    (ليس أكثر من حلم)
    وتحلم فيما تحلم
    ان تطوي البحار
    تحت أبطيك
    لتشمَّ ثُرى بابل
    ..........
    (آية النقاء)
    يوشك البوحُ أن يتهجد في لسانه
    يزهو بأخطائه
    لياليه يطرزها الأسى
    وأقماره ملأى بالبكاء
    ..........
    (أنا ثانيةً)
    قداسٌ لتموز البابلي
    على كتفيك مواويل نخل ودموع آس
    وفي لسانك خمسون قرناً من النحيب
    شرطي بهيئة شاعر
    ..........
    بغداد 2
    يمر الفاتحون سريعاً ببابك
    وفي رحمك يتآكل الغزاة
    بينما شفتاك
    مباحة للشعراء
    لياليك الألف نشيدٌ يتبختر في التأريخ والجغرافية
    ويتمدد على جسد الديانات
    يجب الرجوع، اثناء القراءة، إلى القصيدة مراراً لرؤية التعلّق المتبادل بين الشاعر والشعر.. أو الإنساق بين الأنا والآخر وبهذا يمكن لنظرة تأملية إجمالية موجزة، قد نتمكن خلالها، من الإحاطة بأصالة تقنيات القصيدة الحديثة وفقاً لشبكة من المفردات قابلة للتفسير بدون حدود تستدعي التشابهات التقليدية بالشكل الذي تُبنى عليه الكتابة الشعرية الصرفة الواعية للمعنى الذي هو جزء منها، فالمعنى دائماً يتشابك مع القصيدة لتستعيد المفردات ارتباطاتها الجمالية والفنية على أساس جديد يتوصل الشاعر من خلاله أيضاً إلى صياغة شعرية تؤدي إلى الحلم وهذا ما يعطي القصيدة طابعها الفريد، فالشاعر سبب إذ بدونه لا يأتي الشعر، والشعر علامة إذ ينبىء بما سيحدث على بياض الورق وبهذا أثبت باسم فرات بصورة مماثلة بأن لممارسة الحلم وظيفة هي تجنب الرقابة التي لا تسمح للرموز الحُلُمية للحلم بأن يعيش أو يكتب موقفاً ـ شعرياً ـ على الطريقة العاطفية الممزوجة مع الانفعالات التي يُثيرها الواقع الخرب وهذا ما سعى لإيضاحه بهذه الالتقاطات الشعرية التي تصور لنا إمكان فك شيفرة الذات اعتماداً على اللغة الشعرية المعيشة يومياً:
    (هنا حماقات هناك.. هناك تبختر هنا)
    أنا الهارب إلى نزقي من نرجسية الحروب
    الموقنُ أن لا صبح بضغينة
    وان الذبول يرتعش أمام الأصيل
    ..........
    (جبل ترناكي)
    كلما حاصرتني الرياح
    استنجد بهيبتي
    فتطل شامخة على الأفق
    الأفق ذاته يتقرفص تحتي
    ..........
    (شيء ما عنك.. شيء ما عني)
    تستعرض النسوة
    أفخاذهن جذلات
    يزدردن بأنني رجل
    صار طعماً سائغاً للنيران
    ..........
    (يندلق الخراب.. فأتكىء عليه)
    أبل رنين التوهج في الذهب
    أفرك الحنين
    عن فضة الانتظار
    ليس على النافذة من أحد
    فسبح بحمد منفاك
    وقل: أفي الزبرجد كل هذا الخجل
    هامش:
    أنا ثانية/شعر
    باسم فرات
    الطبعة الأولى ـ 2006
    منشورات بابل /المركز الثقافي العربي السويسري
    زيورخ ـ بغداد
    30/آذار/2007
    شتوتغارت/ ألمانيا

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أبريل 25, 2018 7:46 pm