سلام صادق: هناك حيث الطفولة فردوس القصيدة المَفقود المُستعاد

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 489
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    سلام صادق: هناك حيث الطفولة فردوس القصيدة المَفقود المُستعاد

    مُساهمة  Admin في الأحد أكتوبر 24, 2010 10:38 pm

    حين قرأتُ لباسم فرات لاول مرّة، ما كدت أعرف لماذا انتابني احساس سريع أفضى لانطباعٍ أولي مفاده بان طفلاً ما يقبع في داخله ويكتب شعراً ناضجاً للكبار، شعراً "يجغرف" لهم امتدادهم المرير من حدود الخيبة والانسحاق (لسنا سوى خيبات / صدئت ذكرياتها) ليعود ويؤرشف لهم الايمان بالمستقبل الممعن في التماهي مع حاضرٍ آسنٍ وماضٍ مر، منه يستمد ومضة الامل الخاطفة موقداً أطراف أصابعه شعراً، ففي مفتتح (خريف المآذن) نقرأ:
    أي حلم يجفف طفولتي
    أي حلم يشق صباحاتي
    أنا الأخير في قافلة العزلة
    وبعد حين، اي بعد ان أُتيح لي محادثته مباشرةً، وجئنا كالعادة على ما نعتاده من اسهابٍ عن الشعر وسواه من الهموم، وبعد ان اجتزنا حقول الالغام من المحضورات والحواجزالنفسوية وتطامنا مع بعضنا، راح يحدثني عن طفولته، فصدقت ظني وحكمي السابق بحقه، وتأكد لي بانه في الشعر خصوصا ، فان صفاء وبراءة الطفولة بامكانهما ان يفتحا نوافذ الحلم على اقصاها فيتدفق الشعر عذباً صافيا وبريئاً كما الطفولة نفسها
    أنا لم اخبيء طفولتي في قميصي
    لكنها سرقتني من الحرب
    فاعددت لها قلبي فراشا
    وصحوتُ.
    فباسم يكتب شعرا لا لكي نقرأه فقط، وانما لكي نقرأ فيه الكثير مِن الذي لن يعنّ علينا او الذي فاتنا ولم ننتبه له، لنمسك بخيوط طائراته الورقية الممزقة بهبوب النسيان، وأوله اجتراح الطفولة الموشومة باليتم والعوز وأسمال الفاقة
    طفولتي التي سخمها
    الفقر واليتم
    ويقول أيضاً:
    أعلقُ عمري رصاصة
    تدلت من سماءٍ بعيدة
    أصابعي بقايا مدنٍ غابرة
    وختم الموتى خطواتي.
    وعلى ضوء صدق معاناته الخاصة النابعة عن وعيه الذاتي الاصيل الممرر بتجارب طفولته القاسية، تكثفت في وجدانه عناصر قصيدته وجوهرها الممتد من الطفولة وحتى المنفى، ولذا فالطفولة عنده) أسئلة لاتنتهي) .
    فمن الطفولة قبل عداها يستل باسم فرات دهشة الاكتشاف التي تفضي الى فتوة وقوة تمنحان قصيدته ولغتها خصوصاً دفقاً أو أفقاً جديداً يلوح على البعد مغلقاً على الدوام قبل ان تضفي عليه (أي على الافق) هذه التجارب ألوانها، أفق مفعم بقوس قزح التجارب المعيشة تلك (بكل تدرجاتها اللونية التي هي معايشاتها القاسية) تدخله اللغة لتمرح في بريته مطمئنة ومتهادية فيسبغ عليها من ألوان تجاربه ويمنحها وقارها ويتركها تبدع خيالها كما يبدع الخيال لغته أيضا ، كل وفق ضروراته ومواصفاته بلا اسفاف أو مروق، فالقصيدة لديه لا تخضع لشروط لغوية اطلاقا عدا عفويتها وانسيابيتها وبساطتها بعيداً عن التقعير والهلامية:
    تغادرني الحروف الى الورقة
    تقترح عليّ بيتاً وامرأة وطفلين
    آهٍ
    اتذكر بأنني بلا وطن.
    فهو لا يفلت من أسر تلك اللغة المتطامنة مع مفرداتها بعفوية تامة وبلا أثقال بلاغية ولا مماحكات تزيينية، لغة لا تنفك تدور في فلك طفولتها وفي فلك طفولة الشاعر نفسه، راسخة في وعيه اليومي أو عاكسة تجاربه بمرآتها، وموشحة القصيدة بأبهى حلة من البساطة لا البهرج أو الزُخرف المبالغ فيه:
    قميصي مبتل بندى المآذن
    تلهف الاهلِ
    واستغاثات الأصدقاء
    أو كما في:
    لاجئ
    نعم أنا لاجئ
    سنوات الجوع
    تصهل في شهيقي
    وكذلك:
    أمي أشعلت ثلاثة عشر قنديلاً
    تؤثث لانتظاري.
    والطفولة عند باسم فرات تعني فيما تعنيه الاصالة والإنتماء وقداسة المكان وعذريته، والحلم الممتد على عقارب الوقت الذي يرافقه بالعودة الى المنابع الأولى لأنها الأكثر صفاء بالتأكيد، في زمن استشرى فيه العفن، وطفت الشوائب على السطح، ففي (أنا ثانية ) يقول:
    أقايض الحرب بالمنفى
    وبابل لا تواسيني
    تحاصرني البحار
    ودجلة غارق في العطش.
    ترتبط الطفولة عند الشاعر دوماً بإعادة اكتشاف المكان وتفاصيله واستعادته من أشداق النسيان كأنه سيندرس غداً، ولا دالة تبقى للإشارة إليه، وهذا هو مبعث تشبث باسم بالمكان الأول، أي الخوف من أن يطوي النسيان بصفحته تلك الأمكنة ودلالاتها ولهذا نعثر في نصوصه على المآذن والقباب والنخيل، الجداول والأنهار، البردي والمشاحيف جميعاً تشهق وتعلو كصاريات للحزن، ويقابلها على الجانب الآخر (الإنساني) العراقي المخذول والمنكسر الغارق في قيعان الغربة والشوق للأهل والخوف على البلاد بعد أن وشح الشتات سيماء الناس والأشياء من حوله
    أنا وبغداد
    نجلس معاً على شاطيء نعرفه
    نحتسي خرابنا
    وكذلك يقول:
    كيف لي أن أترك نسياني
    يوزع ذكرياته باتجاه الألم
    ولا يصرخ: يا بلاد استرجعيني!
    لا تقع قصيدة باسم فرات في فخ الرهاب اللغوي السياسي أو الشعاراتية المباشرة، وإنما تحفر القصيدة مجراها بهدوء وبدون تكلف وبمفردات منتقاة بعناية تامة، ولا تلبث أن تحضر الأمكنة من خلال الإسترجاع والمشاهدة (الذاكرة البصرية) أوالمراقبة والتأمل. ولذا نراه وفي أغلب قصائده يعمل على استدعاء العلاقة السرية المتماهية بين أناه وذاكرته، على الرغم من صعوبة هذا العمل، ذلك لأن الذاكرة نقيض الأنا فهي في وجه من وجوهها قوة مغيبة بالأضافة الى ان الأنا لها وجهها الخارجي أيضاً:
    أنا السومريّ
    المدجج بالأحلام والأسئلة.
    لذا تتماهى الكلمات في نصوصه لتصبح حالات ذات دلالات، أقرب ما تكون الى رؤى بصرية، وأحياناً الى مجرد استبصار محيّر يترك للمتلقي فضاء واسعاً يشاركه فيه عوالمه، نظراً لتقارب بل تشابه التجارب والمعايشات عند كليهما. وهذا لايتم إلا عن طريق استشراف تجارب الشاعر الداخلية وتمثلها:
    انتظريني أيتها الشمس
    لأنتشل صباحاتي من رصيف
    ليس فيه سوى جثتي
    وبقايا جماجم أكلتها الغربة
    لاترحلي بعيداً
    لألمّ شظاياي
    أو:
    ثلاثون بوصلة أخطأتني.
    نجد أحياناً بأن الطفولة عند باسم بمثابة مخرج الطوارئ الأمين للكتابة عن وطن يحترق ويتمزق كالذي كان لنا يوماً وما زال، حتى لكأن الطفولة لديه مكمن سري لتجارب البراءة الأولى بعيداً عن كل هذا الزيف المستشري الآن، منها يستمد الشاعر وعيه وينهل منها معين لغته دون أن يتلعثم أمام سيول الحنين التي تجرفه في غربته، فيقيم في وجهها سداً من الكلمات النابضة والشفيفة، لكن لها من الوقار والأبهة ما يجعلها تقوى على معاندة هذا السيل الجارف من الحنين الى بلاد وأمكنة والى أرشيف ضخمٍ ونابضٍ بشخوصٍ وأسماءٍ وصداقات:
    أكتب تاريخ جنوبيين
    فوق عباءة أمي.
    وهكذا تتكرس لدينا حقيقة مفادها بأن طفولة باسم فرات تقيم في الشعر وتتحد به وبأنها المفتاح السري لقصيدته، فما زال الشاعر منهمكاً في بحثه الدائب عن اللامتحقق الدائم، أو الممعن في الهروب، وكذلك الذي تحقق (ليس بمقياس الزمن الفيزيقي) ويوشك على التلاشي من أجل الابقاء عليه حياً نابضاً من خلال الشعر:
    الطفولة أسئلة لا تنتهي
    أو حين نقرأ:
    فهناك نسيت القناديل
    مشغولة بسريري.
    لكن لماذا حينما نهرب من الغربة والتشرد والرحيل من منفى الى منفى نلجأ الى الطفولة لتحقيق ذواتنا الهشة ولتأكيد حظورنا وإنسانيتنا؟
    أما كان الأجدى أن نطرح هذا السؤال على أمهاتنا أولاً، وساعة يعجزن عن الإجابة نطرحه على القصيدة لأنها تتسع لكل كلام تتجنبه اللغة أو تخشاه:
    كيف لي أن أقول أنثى
    ولا أعني كربلاء
    وأقول مدينة
    ولا تشرئب أمي متشحةً بكلّ الليل
    بيضاء
    وكذلك في قوله:
    فأرى دمي يتدحرج بين الحدود
    أتوسل بالكلمات أن تجمعه
    على الورقة.
    يبقى الإنسان في قصائد باسم فرات كائناً معلقاً من لسانه بين اثنين، بين المعطى والمدرك بين الغربة والمنفى، بين الأنا والذاكرة، بين الحاضر والماضي، حتى يتحول الماضي الوامض الى ممارسة حلمية، تمعن الذاكرة في التعلق بها والدفاع عن وجودها ومحاولة تكريسها من خلال استحضارها الدائب، بل انها تعمل أحياناً على إعادة إنتاجها وتحويلها الى بديل يومي معيش بنكهة تقترب من الإسطورة، ربما لتحقيق حالة من التوازن بين خراب آني يعم كل شيء، وماضٍ نرى فيه خشبة الخلاص من بؤس الراهن أو في الرهبة مما يتأبطه المستقبل الذي نحبه ونخشاه:
    يا لهاث الفراتين
    كي أستطيع مصافحة غربتي
    هل عليّ أن أحرق جذوري
    يا لهاث الفراتين
    في المدن القصية
    ثمة ما يدعو للتذكر
    وحيث نقرأ كذلك:
    رسمت للطرقات خطى غير خطاي
    كيف اهتدت لي؟.
    الخلاصة ان قصيدة باسم فرات تشكل هاجساً تعبيرياً وأداة لاستعادة ذاكرة كفنها الغبار وعلاها الصدأ، ويرى ان من واجب الشاعر الحفاظ عليها ومدها بعناصر الديمومة أو بعثها براقة وحيّة ان هي أوشكت على الانقراض أو الاندثار:
    الذين أشعلوا أحلامهم بالمنافي
    ليتهم تناسلوا في راحتيك سهواً
    أو حين يقول:
    وحين تطلعت الى الوطن
    ابتلعك المنفى.
    ستبقى قصيدة باسم فرات ويبقى الشعر العراقي المنفي عموماً، تذرف عينيه حكايات الأوطان على شكل دموع ضخمة حتى كربلاء الموت وطفوف العطش.

    السويد 20/06 / 2008

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت يونيو 23, 2018 11:37 am