فيصل عبد الحسن*: باسم فرات في أنا ثانيةً: خرابه الإنساني ومنفاه هيروشيما المنكوبة..

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 494
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    فيصل عبد الحسن*: باسم فرات في أنا ثانيةً: خرابه الإنساني ومنفاه هيروشيما المنكوبة..

    مُساهمة  Admin في الأحد أكتوبر 24, 2010 10:42 pm

    في ــ أنا ثانية ــ لباسم فرات يوشك النص أن يصير آنا ثانية للشاعر وتتجسد الإشارة فيه لتصير كيانا بإبعاده الفيزيائية وهيولاه الفلسفية، يقول الشاعر في عتبة إحدى قصائده:
    أبي
    حزن عتيق
    أمي
    كتاب الحزن
    حين فتحه أبي
    خرجت
    أنا.
    يبني الشاعر هذه الأنا المخربة بضم الميم وفتح الراء من حجر الحزن وبحر الدموع ليشكل شرنقته الشعرية عبر بناء سردي متمكن ليعكس حياة مفعمة بالموت والعوز وتراجيديا الحياة العراقية في السبعينيات من القرن الماضي وما تلاها من حروب وفجائع حتى أننا لو قشرنا الماضي الذي كتب عنه باسم فرات لعرفنا أسرار الكثير مما كتب في نصوصه فهو ابن وحيد لأب فقد حياته في مقتبل العمر أو كما يصف الشاعر حادثة فقدانه أبيه المدوية:
    1969 أبي أطلق احتجاجه الأخير وهو في سن الخامسة والعشرين دفاعا عن جارته فأورثتنا شهامته البؤس والانكسارات (ص 61)، وبالرغم من تراجيدية موت الأب ألا أن الشاعر لا يكتفي بذكر ذلك الموت الفيزيائي بل يحاول تجسيده برمزية عالية في إحدى أجمل قصائد الديوان التي جاءت بعنوان ــ الساموراي ــ :
    يعتمر خوذته / يمتشق سيفه الذي يكاد ينافسه على قوامه/ يتمنطق بالفولاذ / انه بكامل أبهته/ فيه رائحة التاريخ وبقايا غباره/ ولأنه لم يجد فرسانا يقاتلهم / خصصوا له ركنا بالمتحف.ص 54.
    الساموراي وصعاليك العرب
    نرى الشاعر هنا بمفردته النثرية الهائمة، الباحثة عن مجد حياتي ليصير واقعا ماديا محسوسا لم يجد في الأدب العربي وتراثه العريق ما يوازي ما في نفسه من أحساس عميق بالإحباط والحزن والانكسار غير مقاتل الساموراي الياباني القديم الذي كان محاربا في القرون الوسطى من أجل النظام والحق، والدفاع عن الفقراء والضعفاء ويمتلك كل تقاليد الفروسية المتعارف عليها ويقتل نفسه عند الخسارة أو الهزيمة على الطريقة اليابانية المعروفة، فالعربي مهما بلغت مشاعر انكساره لا يميل لقتل النفس عند الهزيمة وقد وجد باسم فرات أن المعايير البدوية التي يملك لا تنطبق تمام الانطباق على الصورة الرهيبة التي انغلق عليها وعيه بفقدان والده فالعرب على عادة أجدادهم البدو يمجدون الصعلوك أكثر من تمجيدهم لمعارضه، فقد عاشوا لأحقاب عديدة قبل الإسلام على مفاهيم الكر والفر وقطع الطرق والتعيش مما يسلبونه من غزو القبائل المجاورة لهم، فاستعار من الشعب الياباني سامورايهم التراجيدي، .. استمع إليه يقول عن الساموراي:
    وفي المهرجانات
    تراه يجلس على صخرة قرب قصره
    أو يقف في زاوية ما
    تلتقط له الصور التذكارية مع الأطفال
    وفي أحسن الأحوال
    يتبختر أمام الزوار
    وفي المساء
    عندما تنفض العوائل إلى مهاجعها
    يجرد من أبهته
    ويركن في زاوية شبه مظلمة
    في متحف ما
    لانتظار مهرجان جديد. ص 54
    ديوان له خصوصية
    إن نفاجة الساموراي ــ التمثال ــ وادعاءاته الكاذبة بالبطولة أمام الناس كلها تركن معه في زاوية شبه مظلمة في متحف ما. إن شعور الشاعر بكذب كل هذه المظاهر الخادعة بالبطولة تنقلنا إلى إحساسه العميق بفقدان والده الذي لا يعادله أي مجد أو أية قضية اعتبارية أخرى فكل مجد العالم لا يساوي عنده فقدان عزيز ولا يشعر بهذا التقييم الصادق إلا كل من صارع هذه التجربة المريرة.
    ديوان ــ أنا ثانية ــ ضم اثنتين وعشرين قصيدة ولا اعتقد أن تناول القصائد نقديا من خلال انطباعات سريعة خلفتها قراءة يومية عادية تكفي لإعطاء رأي قاطع بمدى أهمية ما أضافه الشاعر إلى خارطة الشعر الحديث لإصدار ديوان بهذه الخصوصية وكل هذا الحزن والفقدان وربما الإلمام بمجمل تجربته التي لا تزال في بداياتها يجعلنا نقول بمدى أهمية أن يعيش الشاعر حياة صعبة ويحاول أن يجعل من صعوباتها نافذة يطل من خلالها على الألم الإنساني محاولا أشراك اكبر عدد من الناس في رؤية مطابقة هي رؤية وتفسير الشاعر لما حدث له من خراب.
    في قصيدته المعنونة –أنا ــ يقول الشاعر عن ذلك الخراب ص 29
    أبي / دماؤك التي سالت على الجدران / على السطوح / المنائر / النواقيس / في الغابات/ في البحار / سالت على السموات السبع / على الارضين / دماؤك/ التي منذ ثلاثين ألماً ونيف / تنزف / أنا.
    وفي قصيدة أخرى وهي أيضا تنزف ألما بعنوان –أبي ــ ص 27
    كانت أحلامك تصرخ/ ونحن نهيل التراب عليك / لمسنا الهزيمة فيها هل ستعلق بطولاتك نياشين لإغراء النساء / في عالمك الجديد
    هل ستخبرهن عن انكسار / الربيع / في حيواتنا.
    هيروشيما والخراب
    وبالرغم من أن الشعر يبقى تجربة ذاتية لا يمكننا الإمساك بمدى حساسيتها وعمقها إلا من خلال الصدمة الحقيقية التي عاشها الشاعر ولا تتم تلك المعرفة إلا من خلال نثر مركز مؤديا بشكل مباشر إلى قصة كل هذا الألم، وهو ما استعان به باسم فرات في الصفحات الأخيرة من ديوانه وتحت عنوان ــ باسم فرات ــ ص 61 فأضيفت تلك المجتزآت من حياته إلى الديوان كأفضل قصائده لأنها تحكي بفنية عالية، وموسيقية شعرية تدهور حياته منذ أول لحظة نزوله إلى هذا الكون وحتى لحظة وصوله إلى هيروشيما المدينة التي قصفت بالقنابل الذرية لتكون المدينة منفاه الحياتي ومنطلقة الشعري أيضا، معتقدا أن كارثتها النووية تشبه خرابه الإنساني.

    أنا ثانية / الطبعة الأولى 2006
    منشورات بابل / المركز الثقافي العربي السويسري.
    • كاتب وصحافي عراقي يقيم في المغرب

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين نوفمبر 19, 2018 9:27 am