رعد مطشر: باسم فرات ... ذاكرة السومري المدجـّج بالأحلام والأسئلة

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 489
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    رعد مطشر: باسم فرات ... ذاكرة السومري المدجـّج بالأحلام والأسئلة

    مُساهمة  Admin في الأحد أكتوبر 24, 2010 10:45 pm

    (أشدُّ الهديل) ثم (خريف المآذن)؛ بصمتان تشيران إلى صانعٍ سومري، دجّجَ حياته بركيزتين مشرقتين محمومتين بـ (الأحلام والأسئلة)، ومن شِباك تلك الركيزتين وفخاخهما، إنسلَّ الصانع السومري من ليل الوطن إلى صباحات المنفى، ليستبدلَ ليلَ القصيدةِ بصباحات أقصى جنوبِ الجنوبِ، فيرى تناغم حضارتين في هديلٍ يشتدّ، ويمشي في موكبٍ للرايات والرؤوس المحلّقة فوق (خريف المآذنِ) والرماح، عارفاً بأنَّ الشِعرَ هو الوطنَ الأوّل، والملاذ الأخير للوصول إلى حلٍّ مُقنعٍ لحياةِ (الوطن- المنفى)، المتلبّسةِ بعبير (الطفولة- الوردة)، والموغلة في الجليس والأنيس، أو في (القرين- التأريخ)، والمتماهيةِ بحياةِ المدينةِ القريبة مِن ألله، البعيدة عن منازل الروح، الشبيهةِ بـ (اللغةِ- الكشفِ)، هو ذلك السومري(المدجّج بالأحلام والأسئلة)، الكامن في متن قوة القصيدة التي تشير إليه، وتلوذُ في أسئلتِهِ، وأوسمته في (علامات الاستفهام)، الموزّعة في جسد وروح المجموعتين؛ ففي (أشدّ الهديل) المتكونة من ثلاث عشر قصيدة، تبدأ المجموعة منذ القصيدة الأولى (رمادُك يا أناي تعويذة) بسؤالٍ يُمهـّدُ لدخول بوابة الرحلة الغامضة هكذا: (لماذا أيُّها الليلُ تنسلُّ من ضجري نحو متاهتك)، وتنتهي المجموعة بسؤالٍ يلخّص رحلة السومري؛ باسم فرات، في نهاية القصيدة الأخيرة (اللافتات) هكذا: (لماذا تمضي إذن؟)؛ مجموعة تبدأ بلماذا وتنتهي بلماذا وبين الاستفهامين، وطنٌ منفى، وطفولةٌ مغمسةٌ بالوردة، وقرينٌ يطارد السومري بتأريخ كوارثه وضياعِهِ في اللاّجدوى، لكنّه يستعيض باللغةِ والكشف والأحلام والرؤى عن تلك الخسارات بين السؤالين. أمّا المجموعة الثانية (خريف المآذن) المتكونة من اثنتي عشرة قصيدة، فهي تبدأ بسؤالٍ يختلف كُلّياً عن غابة الأسئلة الموزّعة على بياض الأوراق في المجموعتين، سؤالٌ يبدأ قبل أن تبدأ المجموعة قصائدها، سؤال في متن الإهداء: (هل نحنُ تناغم حضارتين) ثم يليه سؤال القصيدة الأولى ؛(إلى لغةِ الضوءِ أقودُ القناديل)..السؤال المحيّر: (أيُّ حلمٍ يجفّف طفولتي، أيُّ حلمٍ يشقُّ صباحاتي، لست الأخير في قافلةِ العزلة).. وتنتهي (خريف المآذن) بسؤالٍ يشبه السؤال الأخير في (أشدّ الهديل)؛ ففي المجموعة الأولى تنتهي بـ (لماذا تمضي إذن؟) وتنتهي (خريف المآذن) بـ (مَنْ أعطى المدينة الفم لتبتلع القصائد؟).. وهنا، علينا أن نتوقّف لنرى دائرةِ الأسئلةِ الملغومةِ بالسومري، ونراقب كيف يحرّك تلك الدائرة، ليكون هو مركزها وصانع إشعاعها، وكأنَّ السومري، باسم فرات تيقّنَ ـ بعد سيطرته على دائرة الإشعاع ـ مِن إنّه كسومري معاصر وكقرينٍ لسومريٍّ آخر هو (كلكامش)؛ بأنَّ المتاهةَ التي ابتدأت بسؤالٍ ستنتهي بالخواء والفناء تحت السؤال كذلك، والسبب يعود كما يقول السومري المعاصر مخاطباً كلكامش: (قلت لكَ إنَّ العشبةَ كذبة يا كلكامش/ والسفر خطؤك المتكرّر/ لماذا تمضي إذن؟)، وبين السؤالين الافتتاحيين في المجموعتين, والسؤالين الختاميين فيهما, تتناسل الأسئلة وتتكاثر بـ ( لماذا /ماذا) و(هَلْ/ مَنْ)، بل إن كلّ حرفٍ في المجموعتين ينطق بأحلامٍ وأسئلة تقاسمان السومري؛ الجنوبي، حياته وأحلامه ومسيرته من (أوروك- كربائيلو) إلى الحصول على (العشبة - المنفى)، أو محاولة بلوغ الحياة الخالدة بإيجاد سرّ الخلود في أقصى جنوب الجنوب، عابراً بحر الأموات، محمّلاً بشهوةِ الأمطار والرماد، متسائلاً .. كعادته- (ماذا بقي من رمادك/ ماذا بقي مِنْ مصابيحك السود/.../ وأنت يا أناي ماذا بقي من رمـادك؟ )؛ ولم يبقَ منه سوى ذاكرة إرتكاز الدائرة على (الآن- الأمس القريب- الأمس البعيد)؛ ذاكرة السومري الموزّعة في أربع ذاكرات؛ هُنَّ جهاتِ الشاعر الأربع، وحياة الشاعر الأروع باسم فرات والتي يمكن تقسيمها كالآتي:
    أولاً: ذاكرة الوطن- المنفى.
    ثانياً: ذاكرة الطفولة- الوردة.
    ثالثاً: ذاكرة القرين- التأريخ.
    رابعاً: ذاكرة اللغة- الكشف.
    والذاكرات الأربع تتداخل وتتماهى في بعضها البعض الآخر، في متن أسئلةِ السومري وأحلامِهِ ورؤاه المثخنة بالذكريات، أو كما يقول: (مُثخناً بالذكريات/ أجادلُ الشظايا بالورود والقصائد)، أو كما نراها هكذا: مُثخنناً بالوطن(الذكريات) ؛ أنا القرين / أجادل الشظايا (المنفى) بالورود و(الطفولة) وبلغة الكشف (القصائد) ؛ وهي مرتكز الجهات الأربع في بحث السومري (باسم) عن الوطن (الموت المطلق) ومحاولة تدوين تلك الذكريات وحفظها من التلف لاسترجاعها فيما بعد عندما يكون المنفى هو (الجنوب المطلق) وعندما يجهش بحريتِهِ: (لا جنوبَ ورائي لأصيح: هنا بلادي/ ولا جنوبَ أمامي أنا الجنوب المطلق)، ولا بوصلة لهذا الجنوب المطلق سوى الدخول في (ذاكرة الوطن- المنفى):
    1. ذاكرة الوطن- المنفى:
    من منفىً إلى آخر، ومن غربةٍ إلى ظلمةٍ أشدّ منها غرابة، ومن أشدّ الهديل إلى خريف المآذن (ثمَّةَ ما يدعو للتذكّر)، وثمَّةَ سومريٌّ له (من الحروب تذكار/ ومن البلاد أقصى الجراح) وله ذاكرة (تبتلُّ بالمنافي) ؛ وتنكسر كعصافير الزينة في مرآة الأم المنتظرة في الغربة وتنفجر في الحروف ... هذه الذاكرة توزّع السومري؛ الشاعر بين وطنٍ ومنفى، بين حقيبةٍ ملغومةٍ بالإقصاء وأخرى فارغةٌ إلاّ من التهميش، بين نار ومتاهةٍ باردة، بين (شوارع بنادقٍ) ومتاهةٍ يلبسها, يتوغل فيها ليعانق برجها ظنـّاً منه إنّ علاقته الروحية مع( مئذنة) الوطن , لكنـّه المنفى وعلاقته غير الحميمية بين زمنين ومكانين وحياتين يعيشهما الشاعر في محنتِهِ فيخرجُ من تلك المحنة بنصّ متماسكٍ بالمجاز والتحليق في لغةٍ (يطوّع أبجديتها)، ليخلق منها وطناً آخر ، ومدينة أخرى، بعد أن (عبر الحدود مصادفة) ليكون صديقاً للمنافي، يعيش غربتها، وعتمة دهاليزها، بعيداً عن الأنثى- كربلاء ، (منعزلاً في أقصى الضياع) ؛ يذيب المنفى صورة الوطن في دوّامتِهِ، وفي أسئلته وأحلامه بالعودة إلى مدينة الحلم والرؤيا؛ مَنْ كانت (أنوثتها إختزال/ شفافيتها أزل/ وعذوبتها سديم) , ويحطّم كلّ محاولات السومري في غربتِهِ؛ (رسمتُ سماءً صافية/ لأنفذَ منها/ محتها الصواريخ/ رسمتًُ جدولاً وقلت هذا نهر الحسينية/ تلصصت عليه الطائرات)، وهنا تبرز قدرة الذاكرة عند السومري باسم فرات في الموازنة بين إشعاعين منشطرين من ذاكرة واحدة ، يقعان على خطّ الموت في مساحة الدائرة الذي يحاول (السومري) فيها أن لا يرتكب خطأً يدخله منطقة القتل؛ وجغرافية الحيرة، أو يدخل في شرك (عاصمة الدموع)؛ كربلاء؛ التي تصفها جغرافية البعد بأنها تمكث غريبةً على حافة الصحراء في غربي الفرات، وعلى جهة القلب، الجهة اليسرى لجدول الحسينية , وعلى حافة (عواء ابن آوى ) يمكث ابن كربلاء، هائماً في أُنثى لا تشبه النساء (أقول أُنثى ولا أعني كربلاء)؛ كربلاء الرحم الأول للسومري؛ المتكونة من طمى النهرين المتواصل في دجلة والفرات، والانثيال المتواصل في ذاكرة الأمس البعيد حيث بابل الأزل، وفي ذاكرة الأمس القريب حيث موكب الطفوف والسبايا، وذاكرة (الآن) حيث السومري باسم فرات ، سليل انشطار الذاكرة إلى ذاكراتٍ أصغر تضيء حروف الراوي العليم الجالس في محراب اللغةِ والأسئلة: (أخبرتك إنَّ آلهة سومر وأُروك وأريدو وبابل ونينوى وآشور وأثينا وروما يودون الركوع لك وتقديم القرابين لجلالك).. وهو ذاته الذي أخبرها بأنّه كُلّما ابتعد عنها ازداد قرباً منها، فالتوغّل في المنفى هو توغّل في (نوافذ بلادٍ تنكره)، يحتار الماء فيها ليدور منذهلاً حول قبر شهيد يتدحرجُ دمه على أرض الطفوف في ذات اللحظة التي يتدحرج فيها دم السومري (بين الحدود) من جسدٍ (أدمنته الشظايا/ فلاذ بقهوة المنفى).. وما بين ( اسمٍ عتيدٍ يتوضأ تأريخاً وبطولات) , ومنفى يسيل على كتفي الشاعر، تبرز (أسئلة الغائب) وتعلو ذاكرة الطفولة وعبير ورود الأمس القريب، رغم إنه يتبع آثار طفولة، ويرتّق ذاكرةً (دهستها المجنزرات) ليدخل إلى ذاكرة الهديل في أشدِّهِ، والخريف في مآذنِهِ؛ بين عباءة الأمّ التي تلوّح بلا أمل، وتنثر على فراق الولدِ بنفسجها وياسمين وداعها، ونرجس ضيعتها في مساءات الرازقي الكربلائي، وصباحات الجُلّنار في وطنٍ مرصّعٍ (بالزمّردِ والحمام)، وظهيرات الزيزفون في (أول الريح) وشبوي (فوضى العاصفة)، ليدخلها منتقلاً من إشعاع ذاكرةٍ أولى إلى إشعاع ذاكرةٍ أخرى، تتنفسُ وتحيا حتى لو دخل السومري منطقة التسلّل والمنفى؛ إنها الذاكرة البديلة في ضياع شعاعي الذاكرة الأولى (الوطن- المنفى) ؛ ذاكرة يدخلها السومري باسم فرات خالقاً ملحمته بنصوصها العابقة بطفولة الآس وحزن الوردة الأولى، ولمسة الأمّ الكربلائية الشبيهة بأمّ كلكامش التي تشكو من (أنّ الله منح إبنها قلباً جنوبياً).. ومن هذا القلب الجنوبي المتفجـّر غيضاً وغضباً من أجل رمزالطفولةِ؛ الوردة والنهر الذي اغتصبه الجنود في ذاكرة الصبي الداخل إلى ذاكرةٍ جديدة هي:
    2 . ذاكرة الطفولة – الوردة:
    في هذه الذاكرة لا نذهب بعيداً عن ذاكرة (الوطن – المنفى)، بل إنّها ذاكرة تمدُّ السومري المتسائل بخيط روحي غير مرئي يمتد من الوطن إلى الطفولة ومن المنفى إلى الوردة، أو من مئذنة الأمّ والمدينةِ ونخلتها إلى طفولةٍ (يدوّنها في ساحة الحرمين)، ومن رائحة المنفى ببرجه الذي لا يشبه المئذنة إلى (النهر الذي دخل المدينة ذات يومٍ متنكّراً بهيئة صبي فاغتصبه الجنود).. وبين المسافتين نسمع أنين (عشرين قرنفلةٍ) في قلب الطائر السومري باسم فرات المغنـّي للوردة، رغم إن (الحروف في بيتهٍ) تساهم في تداخل الطفولة بالوردة واللغة بالقرين أيضاً: (أكتب تاريخ جنوبيين فوق عباءة أُمّي)؛ والتي هي بالتالي عباءة الوطن المنفى، عباءة الدموع (كربائيلو) وابنها الراسم طريقاً للإجابة عن سؤال أبدي يضم تحت جنحِهِ غابةً من الأسئلة المكتظّة بالكشف والرؤى: (أقول لأتباعي/ اخشعوا كثيراً أمام الوردة/ لكي تسبّحوا في ملكوتها/ تطهّروا بأشواكها)، مبيـّّناً في متن أسئلته أسباب المحنة وهذا الانشطار الدائم بين الذاكرات والانتقال من ذاكرة إلى أخرى بمعرفة دقيقة ومحسوبة الضياء والعبير؛ وهو العارف بأنَّ الطفولة هي اختصار ( للمنفى الوطن) وأن الوردة هي اختصار لحقل الطفولة (بجانبيها الحسي والمادي).. وبمرجعيتها إلى منفى أول (الوطن) ؛ وإلى عاطلين ومظلومين ومقتولين وجائعين على رصيف الإقصاء والتهميش، وإلى وطنٍ ثانٍ (المنفى) ؛ وإلى غرباء ومدّعين ونماذج مريضةٍ ومحبطة وزمن يعيشه السومري قسراً، في مكان بديل، لا عشبة فيه سوى موت الوطن , ولا تذكّر فيه إلا لكفيّن مقطوعتين تتموضعان كسوطين (يلتفان ببرودة الذكرى)، ويحلّقان في سيرةِ السومري فيما قبل الحياة (الوطن) أو في سيرته فيما بعد الحياة (المنفى)، وفي علاقته المفككّة بأجنحة الأمس المقصوصة بمقصّات الغياب، وأجنحة الآن الملتحمة بالمكان البديل (المنفى) وبالوردة البديلة (الليلك) .. ودون أجوبة أو تفسير فالوردة ؛(من دون لماذا، هي تتفتّح لأنهّا تتفتّح، لا تهتم بنفسها ولا ترغب في أن يراها أحد) هكذا هي الوردة كما يراها المتصوّف الألماني (سبيلزيوس)، وكما يراها ويلجأ إليها السومري بعيداً عن غابات خمبابا (الطاغية)، قريباً من النخيل الذي يلوّح في أسئلة (الوطن ـ المنفى):
    • ( لماذا رياحي لا تشير إلاّ إليك/ هَلْ عليَّ أن أُحرّر رياحي/ لماذا تتعثرين يا رياحي...) .
    • ( كيف تركت الشبابيك حيرى/ كيف سأولد ثانيةً؟ / كيف تركت الأبواب والطرقات ...) .
    • ( هل حقّاً: ثلاثون بوصلةٍ أخطأتني؟/ هل أطلق الرصاص على شاهدتي/ هل أقول إنّك تلتذّين بإسقاط أحلامي / هل علي أن أحرق جذوري....)
    ثمّ يعرج من أسئلة (الوطن المنفى) إلى أسئلة (الطفولة - الوردة)؛ حيث (طفولة الجمرة تلهو مع القّداح) ولندخل إلى تلويحه الأسئلة مع السومري باسم الفرات:
    • ( مَنْ علم البحر تسبيحة الياسمين/ هل علي أن أعبر بستانك النرجسي....) .
    • ( كيف طوّقني الرازقي/ كيف لي أن أقود جوقات البتولا.....) .
    • ( كيف لي أن أجعل الآس/ لا يشير إلى أسراري وفي يمينه ما ينهش الرؤيا.....).
    • ( هل أستدعي أعوامي الثلاثين/ في قامة النرجس ....)
    • ( كيف اهتدت لي/ كيف لي أن أطرد الأشجار/ كيف لي أن أعرّي أبي من الخلافة....) .
    فنرى ونقرأ أسئلة الذاكرتين وإشعاعاتهما الممتدّة على جسد السومري في دائرته المتماسكة في بثّها ودورانها في حروفه الرائية , الذاكرة , الناسية ؛(ثمّة أبدية، ثمّة نسيان يغادر الشاعر)، وثمّة جنوب مطلق، ومنفى في أقصى جنوب الجنوب، وفصولٌ ترفع أثوابها (ليعبر الجنوب) في أسى المشاحيف وفي (ارتباك القصب/ تأوهات النخلِ/ بوح البرتقال/ دم الآس)، وسيرة حياة أبدعها السومري باسم فرات في محراب (سيدةٍ لا تشيخ أبداً) وهو في مركز الدائرة ينظر إلى طفولة (قبابٍ توسّدها التبر/ وتأريخ ينزّ أسىً ودم ) .. وكهولة آسٍ وحروب مدينةٍ يوصفها هكذا:
    • ( الوردُ يسبح بين أناملك/ في جيدك يرتعش الياسمين/ نوافذك يحرُسها البنفسج والرازقي)..
    • ( رسمت مئذنة ونخلة/ عيناي تتهجّى رائحةَ غيابي/ ألف مّرة حاولت أن أخبّيء الفرات/ لكنني عانقته/ أنا بلا متعٍ بلا أمجادٍ/ خذلتني أحلامي...) ...
    • ( الياسمين يطوّق منامي/ ما يقول النخل للمئذنة/ حين يمرّ نهر الحسينية مصلوباً/ فوق ريح الشماليين / نهر الحسينية غصن رمان ينكسر من فرط أساه).....
    الطفولة ـ الوردة ؛عند السومري باسم ؛ أسئلة لا تنتهي بأجوبة في نقطة ثابتة على محيط الدائـرة، بل تـنمو فوق طحالب النقاط الراكضة من ذاكرة المركز دون أن تلتقي ، يدوّنها بلغةٍ عامرة بالكشف والإشراق, مزحومةٍ بجمال يتحسّس من آسٍ مستديم الحضرة، منغرز في طين الحنين الأوّل، ولا يخرج من ذلك الحنين إلاّ مرّة واحدة حين يذكر (ألليلك البري) كمرجع لتزاوج حضارتين، يذوبان في صانع واحد هو باسم الذي يكتب بيدين منقوعتين بجمر المقاهي وقهوة المنفى، تقيمان (كل ليلة.. حفلاً لدجلة في أقصى جنوب الجنوب.. من أجل أن تضيئان المنافي (بالأحلام) أو؛ (بالكتب- اللغة- الوطن)، يدان؛ الأولى ترمـّم قلب الشاعر, والأخرى (يتدارك بها الوردة من الهذيان) يدان أو (جمرتان تزفان الأفق وتصهلان عند الباب/ بلا أجوبة).. والجواب الوحيد لذاكرتين هو الولوج إلى الذاكرة الثالثة؛ ذاكرة (القرين ـ التاريخ) حيث يخطو الشاعر السومري نحوها مارّاً بـ (مواقيت الآس في النرجس، مزوّداً بحقلٍ للقلب (لمْ تـتنزّه فيه الطائرات كثيراً) واضعاً نصب مجموعتيه (أشدّ الهديل/ وخريف المآذن) قرينه؛ (الذي رأى كل شيء/ وهو الذي عرف جميع الأشياء/ وهو الحكيم العارف بكل شيء/ وهو مَنْ أبصر الأسرار/ وكشف عن الخفايا المكتومة/ وجاء بأنباء قبل الطوفان) ... وهكذا نرى شاعرنا السومري باسم فرات الذي عبر الحدود مصادفة، حين فرّت البلاد من أصابعه يصّرح ؛(أنا السومري.. أمسّدُ عذوبة الغابات/ أقود القناديل إلى الضياء/ غير عابئ بالخلود)..ومن هذا التصريح , ومن أسئلته المبنية على الأحلام والرؤى ندخل إلى:
    3. ذاكرة القرين ـ التأريخ:
    فالشاعر باسم هو كلكامش وقرينه أنكيدو في ذات لحظة؛ وهو الفتى المشرقي الذي (له عبق النخل/ مّوال أمّ عراقية في المساء الجنوبي) وهو (آخر العائدين/ من متاهات غاباتها الرعوية).. وهو (الأخير في قافلة العزلةِ) بعد أن فارق الصاحب الأنيس والأمّ الحالمة لإبنها بقلب جنوبي يتوغـّلَ في البحث والاستقصاء عن الزمن المفقود والمكان البديل، ويروي بدائرةٍ لا تخضع لفن الروي منذ آدم , أو (منذ مئة حرب)، منذ ميلاد الخطيئة البكر، منذ بابل الأولى ومنذ مصادر تأريخية تقول إن بابل الأولى حكمت لثلاثة قرون وحكمها أحد عشر حاكماً، وإن ملحمة كلكامش كتبت على أحد عشر لوحاً طينياً أو أثنا عشر لوحاً، وهو ذات العدد من القصائد في خريف المآذن ويزيد قصيدة واحدة في أشدّ الهديل كخروج عن تأريخ القرين بإعطائه رقماً مشؤوماً (13) وكرديفٍ لسليل إله الحرب والصيد (ننورتا) جدّ (أنكيدو) ولإنثيالٍ لتراتيل كهنةٍ وقديّسين و(صلوات شهداء/ وتسابيح عشّاق الربّ) في غابة الأسئلة التائهة في إجتياحات (خمبابا) لذاكرة باسم السومري (ابن الشمس) الذي اخترق كثيرا من فخاخ اللغة , وصحارى التكلـّف في القصيدة , والتقى (بأسـد) الكشف في الرؤيا , فانتصر على إبهام التسطـّح , محلـّقاً في رحلة الأحلام والرؤى, مبتكراً( لغةً أخرى) ؛ لغة الحبّ والكشف الشبيه بامرأة عاصفةٍ :
    ـ ( لماذا أحبـّك / أنت النساء توحدنَ في امرأةٍ عاصفةٍ.../ هل قلت أحبـّك / هلا دققتي مسمارك / كي أستريح ... ) , وبين شهيد الأمس القريب ( قتيل الطفوف ) وقتيل الأمس البعيد ؛( قتيل الأسئلة الباحثة عن أجوبة) يولد قتيل الآن ؛ قتيل المنافي باسم ليلخّص حياته في مركز الدائرة ؛ وخارج موتها المتكرر في ثنائية التواشج على محيط الشاعر:
    • (أحمل الوطن في جيب قميصي/ وتحت لساني نهران يهدران....)
    • (من البيت سرقتني الثكنات/ ورمتني إلى المنفى) لأنّك؛
    • (حين تطلّعت إلى الوطن/ إبتلعك المنفى ), ولأنّك ...
    • (ها أنتَ أخطأتك المعارك غير مرّة / فوجّدت نفسك خارج الحدود)...
    • فهناك عند الطفولة والمنفى كانت الأمّ (كل ليلة تمسح عن جبين الفراتي الدم والتراب وتبكي ) ...(قتيل الطفوف)..
    وهنا عند الكبر وفي الوطن(بساطيل الحرس مسحت ذاكرتي) ... لكن من ذاكرتين متداخلتين في نقطتين متقابلتين على محيط الدائرة يجمعهما خط ٌواحدٌ هو قطر الدائرة المار في ذاكرة (المركز)؛ باسم الفرات، متجهتين نحو ذاكرةٍ ثالثة تمرّ بخط واصل بين نقطتين على محيط الشاعر وتتقاطع مع خط الذاكرة الثانية؛ ومن ثمّ تذوب فيها وتتداخـل معها في مركز التقائها( الشاعر) السائر نحو ذاكرة ثالثة في أسئلة القرين ـ التأريخ :
    • ( كيف لي أن أترك نسياني يتشظـّى / كيف لي أن أبلّ نسياني /
    كيف لي أن أسرق الفرح من ركام ما تبقـّى )..
    • ( لماذا أقول ربيعاً صارخاً في بريتي / هل تلمّ البراري بقايا هوىً/ في يديك يئنّ)..
    • (هل كان حضوري / انحصار الحروب عن مياهي .... ) ..
    • ( لماذا دروبنا خائفة جداً ؟! / بينما عشبةٌ طريـّةٌ / يسيل عليها إشتهائي ..؟)
    ومِنْ تلك الأسئلة المدماة بثلاث ذاكرات ؛ تقاطعت أقطارها داخل مساحة الدائرة واخترقت أنصاف أقطارها مركز خالقها (الشاعر باسم)، ليغادرها (محمـّلاً بها) إلى ذاكرة أخرى؛ يكسر فيها قيد التناظر في عمود (المنفى – الوطن)، ويغيّر من فكرتها بمجاز الحرف والمفردة والعبارة في (طفولةِ – وردة)، ويقتل العماء والهذيان في نصٍّ يعبر من عمق المشهد المتكامل في أسئلة (القرين – التأريخ)، ومِنْ ثمَّ إلى ذاكرة رابعة(اللغة ـ الكشف) تتربعّ على كل الذاكرات هكذا:
    4. ذاكرة اللغة- الكشف:
    اللغة طين السومري باسم، يكتب عليها ويشكّلها بروحِهِ قبل يديه، وبدمِهِ قبل حبره، وبتحليقه قبل وضع خطواته في لوح الألم؛ لأن (ختمُ الموتى) خطواتهِ.. واللغة أيضاً عشبةُ السومري؛ باسم فرات، يغوصُ في أسرارها، يـُخرج منها سؤالاً لاتدركُهُ أفعى النجاة، وهي الوطن الحسّي والبوابة المادية له بدءً من الحرفِ إلى عبارةٍ تتألـّقُ في مملكة الصور المكثفة والحياةِ المدهشة الموغلة في فخاخ النص، أو في (جنونٍ يختزل القصيدة)، يختصر تجربة السومري (بآلامه وحماقاته وخيباته) ومسيرته المختصرة في هذا النصِّ:
    • (خلف الكلام هوامشُ كثيرة التحديق/ ولافتاتٌ تسأل عن جواد سليم ..)...
    هي لافتات كلكامش في (أشدّ الهديل) وكذلك في( خريف المآذن )... أو في كل نصوص السومري ؛ حيث :
    • (يتلوّى العمر على الورقة/ أكداسٌ من الحروف تحفُّ شواطئ الكلمة/ لاأقوى على الانشطار داخل ضلالات اللغة.../ الحروف في بيتي / لكنّ القصيدة تتهيكل ...) ..
    • ( تغادرني الحروف إلى الورقة / تقترح عليَّ بيتاً وامرأة وطفلين / آهٍ.. أتذكـّر إنـّي بلا وطن..)...
    وهي اختصار لمعادلة تماهي الذاكرات في بعضها البعض : المنفى في اللغة ، الوطن في الكشف ، التأريخ في اللغة أو الكلّ في أتون الكلّ :
    • (أضأنا أحلامنا بالمنافي/ أضأناها بالكتب ..) ..
    • (أفتح كتابي فتشير كلماته إلى زخرفك السماوي/ أنت فردوس الدموع..)...
    • (من مشاعلك أوقدت لغتي/... هذه لغة/ لابدّ لي أن أطوّع أبجديتها/ لابدَّ لي أن أحرث حروفها/ كي أستسيغ العبارة...)..
    • ( لي لغة النيازك/ كم من السنوات أعدت/ لكلام متـّشح بالسواد/ أحدّث عابري الكلمات/ عن سماء أجلستها فوق سريري)..
    • ( أخطائي.. لغة ضيعتها حروفها/ حتى تعرّت بلا مأوى..) ...
    • (أنا الأخير في قافلة العزلة/ أنا السومري/ المدجـّج بالأحلام والأسئلة/ أعلّق عمري على رصاصة) ...
    وكلّ مامـرّ من القول ؛ كأنّه رجع صدى القرين في خطى السومري الأول:
    • (إنني أبكي صديقي أنكيدو/ أبكي بحرقة النساء الندابات/ صرعنا خمبابا ساكن غابة الأرز/ فأيُّ نوم هبط عليك/ فغبت في ظلام كلماتي ...) ..
    ومن ظلام الكلمات ومن تساؤل (كلكامش – السومري)الموزّع سنواته كلـّها على الصحف ـ المتاهة , ندخل إلى شرك أسئلة اللغة – الكشف:
    • (لماذا معتمةٌ رائحةُ الألفاظ/ قبل أن ينوشها لسانك/ والسماء بين أصابعي موحشة/ أكسرها بقصائد تموء ...)...
    • (هل ضاقت الحروف بتيجانها/ ففرّت نقاطي إلى البحر/ إليك نأينا أيّتها البلاد..)..
    • (ماذا بيمينك أيُّها الشاعر/ إلقِ قصيدتك ليرتبك الشعراء ..) ..
    • (كم من السنوات أعدت/ لكلام مُتّشحٍ بالسواد/ هل ضاقت الحروف..) ..
    • (أليست اللغة هي الوجه الثوري للمحّبة؟!)
    • ( أنا باسم محمد.. يا الله .. أتعرفني؟!) ...
    وتستمر الأسئلة في اللغة ـ الكشف؛ لتكون أكثر إيلاماً وتقاطعاً في حركة الدائرة وتماهي نقاط مساحتها في رؤىً وأحلامٍ وأخطاءٍ تتناسل على محيط دائرة الشاعر المنتقل بين أحواله ومقامات حروفه الموجعة :
    • (مَنْ أعطى المدينة هذا الفم لتبتلع القصائد ..)..
    • (لماذا النوارس في حقولك متوهـّجة/ لماذا يتحوّل التراب في يديك..)..
    • (ألم تقرأي أسفاري/ ألم تقرأي ارتباكي في حضرتك البهيـّة..)
    ومن التساؤلات هذه نرى السومري ؛ باسم فرات, في رؤى لغته وعبارات كشفه الحسـّي , يقرنُ وطنـه بمنفاه , وطفولته بوردةِ الأمّ والمدينة , وقرينه بتأريخ الذبح والبلوى , ودمهِ بمفردات رسله ومريدي انثياله في امرأة لاتشبه المدن والنساء :
    • ( من منابعك شرب الحلاّج وابن عربي والسهروردي وجلال الدين الرومي / فكانوا صرعى فتنتك ورسلك للخلود .. ) ...
    • (بعد توهـّج الواو في نورك السرمدي/ أنتِ... جمالك عائد لي/ إلى شغفي..) ..
    • (قدّمت لك هواجسي ومشاعري وجنوني على طبق من ياسمين ونرجس..)...
    • (أدمنت حبّك سرّاً/ فسبحان نهريك ما ارتكبت خطواتهما/ كل بوصلة تشير إليكِ.. ) ..
    • ( ياكلّ حزني وكل الحزنِ أنتِ/ أخشى عليكِ مني ومنكِ/ فأنتِ الكل والكل أنتِ .. ) ..
    • (يا حزن حزني وإنعتاق جنوني/ يا بدء بدئي وأول البدء .. ) ..
    • (مقدسةٌ نزواتي/مبجلةٌ هذه الحماقات/لا أتنفس سوى الخراب والحروب التي تشبهني تماماً )..
    • ( هوادجي في فيوضات الجهات أزرعها ../ أناي تعويذة..) ولهذا نرى ؛
    تماثل دائرة السومري(شبيه الحروب والـ..) في علّة وجوده و..مقامات السابقين وأحوالهم:
    • ( الحبّ أصل الوجود) وهو؛(علّة وجودنا وهو دين بذاته) .. إبن عربي وأيضا لهُ :
    • (أدين بدين الحبّ؛ أنـّى توجهت/ ركائبه فالدين ديني وإيماني ..) ..
    • ( الحبّ: هو هتك الأسرار وكشف الأسرار)... السهروردي (المنفي خارج دائرة البلاد).
    • بالحبّ(لابدَّ أن أملك الأرض)..جلال الدين الرومي(المخنوق بوترٍ بأمرصلاح الدين الأيوبي).
    • ( أنا من أهوى ومَنْ أهوى أنا / نحنُ روحان حللنا بدنا /
    فإذا أبصرته أبصرتني / وإذا أبصرته أبصرتنا ) الحلاج ( المقتول في بوح الحلول ).
    • ( ما حضرت إلاّ وغبت/ بل أدلُّ عليك / وبكِ أصل إليك..) .. أبو يزيد البسطامي.
    • (لا يفهم كلامنا إلاّ أحبابنا) .. أبو القاسم الجنيد (سيد الطائفة).
    • ( ومَنْ لـمْ يفقه الهوى فهو في جهل).. ابن الفارض( القائل عن الحّلاج ؛قُتل لأنّه باح بسرّه).
    ملحقٌ أول قبل وداع الأخطاء؛
    (حين أكتب أشعر بانتصار فادحٍ يوازي شعوري الفادح بالخسارة.. باسم فرات)
    تلك هي منازل المنتصر, الخاسر , المتسائل ـ باسم فرات ـ بروحه حيث يلوذ في مقامات يكسبها من منفاه ورؤياه وقتلاه الموزعين في دائرة بوحه وانتقاله من قطر إلى آخر ومن مركز إلى محيطٍ دائرٍ في موهبة أحوال الشاعر ورغبته إلى تطهير الروح من ذاكرات تقيـّد السومري وتشتته في الوطن ـ المنفى , وتبعده عن صفاء طفولة الوردة وتأريخ القرين في كشف اللغة يتم فيه ؛ (تخليص الأشياء من أغراضها وشوائبها وما فصل عن صميمها، ابتغاء البلوغ إلى نواتها، وينبوعها الأصلي..) .. هكذا يصل السومري ؛ الشاعر باسم فرات الى الموازنة بعد عبوره كل الذاكرات الى مفردتين (اللغة –الكشف)... تؤديان إلى نداءٍ أصيل لا يوقفه العمى (العقلي- اللفظي- الخُلقي) أو الصمم الجزئي والكلي عن أحرف ندائه وأدوات استفهامه وأسمائه الممتزجة في لذّة الوجود المثبت أو المنفي في شعر السومري – العراقي باسم .. المتوغل في مقاماته المبتدئة بالتساؤل أيضا في نهاية ( أشـدّ الهديل ) وتحديدا في قصيدة ( مقامات ) المتكونة من تسعة مقاطع ( منازل) والتي تبدأ بتساؤل:
    • (مَنْ ذا الذي سيشنق رغبتي فيك / القصيدة أم جنوني..؟) ..
    لندور معه على محيط دائرته المبدعة برؤىً تذكـّرنا برؤى القرين كلكامش (يا أمي لقد رأيت الليلة الماضية حلماً ).. ولأنكيدو (يا صديقي رأيت رؤيا..) وتمطرنا بطوفان أسئلة السومري ورؤاه في مقاماته التسعة في القصيدة الموزّعة هكذا:
    • المقام الأول = سؤال الجنون+ رغبة مشنوقة في القصيدة ...
    • المقام الثاني = سؤال ارتشاف دمعة الوطن – المنفى+ السجود للقصيدة...
    • المقام الثالث = سؤال سجون الوطن + انكسار غصن القصيدة...
    • المقام الرابع = سؤال وطن الأم ـ دمع المنائر + تساقط ريش القصيدة ( الطيور) ...
    • المقام الخامس = سؤال حنين الطفولة ـ الوطن + اختناق هديل القصيدة...
    • المقام السادس = سؤال القرين ـ التأريخ + طوفان رأس القصيدة ( الشهيد الحسين ع )...
    • المقام السابع = سؤال القرين ـ الوطن القاتل + موت التأريخ الدموي ونهوضه أيضاً ..
    • المقام الثامن = سؤال احتراق الوطن ( الفرات) بعربات الطغاة + حيرة تسمية القصيدة...
    • المقام التاسع = سؤال بحر القرين + غرق سماء القصيدة بطوفان التأريخ ...
    هنا انتهت مقامات الشاعرـ القصيدة , أو ربـّما ابتدأت ذاكرات أسئلة الصوفي المجبر على الرحيل أو النفي، خارج مظلّة الحب بمراتبه الثلاث ؛( الحبّ الطبيعي/ الحبّ الروحاني/ الحب الإلهي ) كما قسـّمها ( ابن عربي ) , وأمتعنا بها السومري باسم فرات في ( أشـدّ الهديل ) حيث الحمائم التي أغراها الشاعر باللجوء وطلب الملاذ في أجنحة الحبّ الروحاني , من شـدّة الهديل , وفي( خريف المآذن ) حيث الصمت الذي يبلـّه الشاعر بخريف المآذن المنهمر في كلام الحبّ الإلهي وفي ريش الوطن المتكئ على الحراب والحروب والمنافي والأخطاء المتوارثة في تابوت الوطن وغياب الأب وانتظار الأم لخطأ الأب ولإبنها الشاعر ؛ ( ... الذي يعدّ الخطى فيخطئ ) .. وما زال يعدّ على خارطة الذاكرات والحروب ( أعياده المؤجلة على الدوام ) .
    ملحقٌ ثانٍ بعد وقوع الأخطاء ؛
    كلكامشُ يسألُ عن بلاد وادي الموتيـْن :
    بعد أن رأى كيف أنَّ مدينتـَه التي بناها لسنوات طوالٍ وأمر الناس ببناء سورها الكبير؛ دُمّرتْ، وتكاثر فيها بعد الدمار، عبيدٌ مأجورون، متعاقدون مع حارسي الغابات، منتشرون بين الأسلاكِ والحواجز والسجون في كل أودية البلاد المسّماة وادي الموتين؛ حينها، لَمْ يعد كلكامش يرى (كلّ شيء)، خطفتْ عينيه أضواءُ الحديدِ المشتعلِ، المتشظّي على رؤوس الساكنين في أقاصي الموت، سرقت ذاكرتَهُ صورُ المدنِ المقطّعة الأطراف، المصلوبةِ على المداخل والجسور، المحزوزةِ الرؤوس، المحروقةِ المعالم، حتّى صار بلا ذاكرةٍ، فَلمْ تعدْ تغنّي (بذكراه البلاد)، ولمْ يعد (الحكيم العارف بكلّ شيء) ... ومِنْ أين تواتيه الحكمة والذاكرة ؟! فكلّ ما يراه يَصدمهُُ، وكل ما يلمسُهُ من أسرارٍ جديدة تلفُّه في دوّامتها، تحجبُ عنه كشف (الخفايا المكتومة)، وتلاحقه إلى نهايات النوح المتكرّر على الراحلين، نوح الثكالى في غابات الموت التي يحرسها (خمبابا) الجديد، بنظارتيه المظلمتين، وقبعتِهِ المصنوعةِ من أرز الكلمات الخاويات ، المتمايلةِ تحت دسائس الحربِ، المتناغمةِ مع فخاخِ الأشجار المثمرةِ بالرؤوس، والمحاطةِ بغزلان الوادي المصاب بأكل الضحايا صغاراً..كباراً وبرغبةٍ كبيرةٍ ليمتلئ وادي الموتين.. صَدَمَهُ كلَّ هذا، وهالَهُ ضجيجُ الناس النادبين (أنكيدو...هم) الراحل لثلاثة ملايين مّرةٍ، وكأنّ الموتَ المطلقَ الوحيدَ لا يكفي، ولا يكتفي من النيل من سليلي بلاد الحربِ والموتِ والنفي والنكبات لمرّة واحدة، ولا يسمع صوت كلكامش الهاتف: يا أنكيدو.. لا تتعثـّر في موتِك، ولا تكرّرْه، فقد: (صَرْعنا خمبابا ساكن وادي الموتين)، لا تجعل الفناءَ يهبط عليك فتغيب (في ظلام الكلمات)، ولا تدعْ عروض كربلاءات أو كرب لاءات الموت تقودك إلى بلادٍ (قصرها يتهاوى على حُماتِـها الأبطال/ ونَعْلها يقرصُ الأقدام المنتعلة لَهُ)... بلادٌ لا رؤى فيها ولا منامات، لا كشفٌ أو انكشاف؛ بل رثاءٌ لي، أنا كلكامش الذي (لم أرَ) شيئاً، ولَمْ أكنْ حكيماً وسط العبيد، ولمْ أكن الباحث عن خلودٍ مطلق أو حياةٍ مطلقة، بل أنا حفيدُ الطوفان، توقفني الآن سيطرات وادي الموتين لتقودني إلى سؤالٍ لا متناهي :
    ـ ما هي أنباء الطوفان ... أيـُّها البصير.
    رعد مطشر – كركوك

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة مايو 25, 2018 10:16 pm