وديع شامخ: باسم فرات .. تراجيديا الكائن.. وكمائن الشعر

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 488
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    وديع شامخ: باسم فرات .. تراجيديا الكائن.. وكمائن الشعر

    مُساهمة  Admin في الأحد أكتوبر 24, 2010 11:31 pm

    مهاد

    إن الاصغاء الى صوت الشاعر يتطلب منا حيازة حواس مدربة على تقصي أثر حنجرته ، فلكلِّ شاعر صوت ، ولكل أذن موسيقي .. ترى ماذا لو أقحمنا الصوت والحنجرة لنطابق صورة الشعر في مدونات باسم فرات .. أهو شاعر أم كاتب مراثٍ، أهو شاعر ،ام نائحة على ما تبقى، أهو شاعر، أم أم ّ ثكلتها الأيام وداس على ضفائرها الزمن ؟
    باسم فرات مفجوع في الواقع منذ المكان الى الزمان .. فهو ابن كربلاء ، وما أدراك ما كربلاء . الدم ، البكاء ، جلد الذات .. القضية الدائمة المظلومية .. فهل نستطيع القول : انه أنس هذه الفواجع وصار شاعرا لها ، صار قرين الألم يستنشق من ذاكرته خزينا لا ينضب / ذاكرة تسع كربلاء والمدن التي زارها لاجئا ، تلك التي َتركت الصدأ في قلبه النابض .
    باسم فرات شاعر الفكرة والموضوع ، شاعر الهم اليومي ، يصطاد الهموم من رحيق أيامها ويعتقها شعرا .. فهل فسدت الاواني ؟
    يضعنا باسم فرات في موقع التعرّف على شخصه في نص " الى لغة الضوء أقود القناديل ، من مجموعته الثانية "خريف المآذن"
    " أبي خطأ يتناسل
    أمي خطأ ينتظر خطأ من أجل خطأ
    أنا خطأ يعد ّ الخطى فيُخطيء"
    متوالية أخطاء تقوده للإعتراف بأنه غريب كصالح في ثمود مما جعله يتماهى مع الله "كما في نص "،جنوب مطلق
    " أنا والله وحيدان
    ثمة أبدية تستظل ّ بيّ
    ثمة نسيان يغادرني"
    ومن هذا التواشج مع الله يبيح باسم لنفسه ان يُجلس التاريخ على ركبتيه محاسبا أياه ، التاريخ الذي لبدّ سماء حياة الشاعر بأمطاره الحامضية وسواد المآتم القائمة في العقل وفي والواقع .. رصد الشاعر هذا السفر الحزين بمراثٍ حينا وبمساءلة وجدل مرّة أخرى .. وعلى الأغلب كان راثيا يغالب الافصاح بدموعه قبل مداد حروفه . ولكن رثاء باسم ليس نمطيا اي انه ليس غرضا شعريا محضا كما شاع في اغراض الشعر العربي العمودي" هجاء ، مديح ، نسيب، رثاء .. الخ" ، بل هو تواشج نفسي بين الظاهرة بوصفها خارج أو موضوع وبين توظيفها بشكل شعري منفلت من التطويع الشكلي والقيمي والغائي ، فالشعر هو المهيمنة النصية . أنه يكتب سيرة ذاتية بواسطة الشعر .
    ......

    الغربة وتراجيديا الكائن

    لم يكن الماضي هو الذي سيقود باسم الى منطقة الشعر ، بل ان الحاضر كان له بالمرصاد ،فتلقفته مدن الغربة ، ولكنه استطاع ان يغالب " النوستاليجيا " الحنين " ويتنفسها كلمات تنبض بحياة نصّه ، بعدما زار مدنا أمعنت في اغترابه وفتحت له آفاقا للتلاقح مع حضارات وتقاليد وقيم أهلها ، وليس أقلها ما يذكره بمطلع الاهداء في مجوعته " خريف المآذن " الى جينيت ، هل نحن تناغم حضارتين والى أمي حتما ".. انه قناص ماهر لكل فرصة تقدمها له الحياة بشقيها الطبيعي والنصي ، مستثمر ومخطط بارع لمصيره ومصير أفكاره وموهبته ، أب رؤوم لبنات أفكاره، بعدَ أن فشل الأب الحقيقي أن يكون نموذجا له ، بعد واقعة مقتله الدراماتيكة ، كما يقول في أحد إحتجاجاته عنها " عام 1969، أبي أطلق أحتجاجه الاخير وهو في سن الخامسة والعشرين ، دفاعا عن جارته ، فأورثنا شهامة البؤس والانتكاسات" . ويتابع احتجاجه " ما زلت ألعن طفولة عشتها قسريا مصرّا على خيط رفيع من العزوبية يكون رفيقي الدائم... احتجاجا على طفولة لم تستنشق الشمس ، عملت خبازا ، والكثير من صيغ الاحتجاج كما نراها في مجموعته " أنا ثانيةً "ص 62-63 – 64" . وبقية االاحتجات التي يكررها في مجموعته الاخيرة " الى لغة الضوء" وهي صور تعلن عن حياة باسم الاجتماعية .
    ومن يقرأ مجموعات باسم سيرى انه يقدم ُملخصات لحياته في أخر الصفحات ..بوصفها سلسلة من الاحتجاجات ، وهذا بتقديري خط شروع لاهب لإضاءة النصوص في منطقة الشعر، والاكتواء بنارها المستعرة ، وتجربة تتطلب المزيد من الرفض والاحتجاج ، بدءا من الهروب من رتابة اللغة وقاموسيتها وجاهزية مفرداتها ، الى الاحتجاج على الاشكال الشعرية والاغطية والتابوات في الشعر والحياة معا .. كما أن هذه الاحتجاجات قد تشكل من جانب آخر مفاتيح سهلة لاغراء وأغواء القاريء للتعاطف مع النص، أي أن احتجاجات باسم تحتمل الوجهين ، والشعر برمته حمال وجوه ..
    ............

    كمائن الشعر ومطبّات التجربة الحياتية

    لواحتكمنا الى المدرسة النفسية وتحليلها للشخصية الانسانية وفق منطق " الحتمية النفسية " وانعكاسات إرثها السايكولوجي والاجتماعي ، سنجد أنفسنا أمام شخصية لا تخلو من عصاب او مشكلة لا بد من ان تترجم كواقعة ، وهذا مما حدا بباسم ان يتصدى لإرثه الاجتماعي والنفسي بدرع وآلية نفسية إبداعية للخروج من عنق التنور الفائر ، فكان الشعر تعويذته ورقيته للخلاص من نتائج الحتميات النفسية التي تقود كائنا يحمل هذا الواقع الممتد من تاريخ العراق وتفاصيل حياته الشخصية المريرة الى أضطرابات نفسية حتما ، لكن الشاعر ذهب ليقتصّ بالكلمات والنصوص ما أكل الواقع القديم من جرفه، وقد نجح في تكييف حياته النصية ، وأذاب كل العقد والظنون والظروف المترسبة على ذاكرته الى نصوص .
    باسم ، لم تأخذه الأوهام الى جنون مبتكر ، بل صحى العقل به وركب قارب النجاة في الشعر والسفر والترحال..
    في نص "هنا حماقات هناك .. هناك تبختر هنا "من مجموعته "أنا ثانية " يضع الانسان في الشاعر ليخرج من جلده عاريا إلا من ذاته التواقه الى النزق والنزيف معا ..
    " انا المثقل بالتباريح
    بلادي تطرق الباب كلّ ليلة
    أنا الهارب الى نزقي من نرجسية الحروب
    الموقن أن لاصبح بضغينته
    وان الذبول يرتعش أمام الاصيل "
    شاعر يحمل حنجرته بوقا لأناه .. صنواً لذاكراته .. فكيف لنا ان نستلخص الشعر من الدموع ، وكيف لنا ان نأتي بغربال للفصل بين الشعر والالم وموسيقى الروح ..
    ففي نص " بغداد 2" من مجموعته انا ثانية ، يقول:
    " العقارب تنهش ساعة القشلة
    بغداد .....
    هل سيفتح سليمان القانوني إصطبلا لخيوله
    أم
    ان الجنرال مود
    سيوزع بيانا جديدا داعيا السكان للتمتع بالحرية والاستسلام معا .
    أتساءل
    وأنا ارى هولاكو يحلم بتشييد جسرين على دجلة
    واحد من القرطاس وآخر من اللحى "
    كما أنه ظل وفيا لارثه السومري البابلي بصيغة السؤال ، وهو لا يكف أيضا عن مساءلة تاريخ الغزاة واستجلاب الماضي ، كما نجد في نصوص عديدة ومنها نص " بغداد2" أيضا ..
    " بغداد
    على فخذيك أوهام جلجامش
    غوايات عشتار
    قوانين حمورابي
    وسذاجة دموزي
    هوايات آشور بانيبال
    بجمع الكتب وحرق المدن وتعليق الرؤس
    قسوة نبوخذ نصر .."..
    ..........

    خاتمة

    لقد حاول باسم ان يذهب بالشعر الى كشف حساب مع المكان والزمان، لانه شاعر دؤوب ومهتم بتاريخ العراق وهويته الوطنية جغرافية وتاريخيا ،استثمر الميثيولوجيا بدموعها من بابل الى كربلاء .. ومن العراق القديم الى الجرح الماثل الآن، يسعى الى لغة اكثر ضوءا ..باسم فرت يتمثل عواء ابن آدم المستديم عن فردوسه المفقود، اغلب حكاياته أبطالها الزمان والمكان.. باسم يظهر كثيرا كراوٍ محترف يؤرشف تاريخ الأسى والظنون والخيبات ..
    ومن سجل باسم النصي مع الفواجع والسيرة نعرف أنه أصدر مجموعته الاولى " أشد الهديل " عن دار ألواح .. مدريد 1999 ، والثانية " خريف المآذن" عن دار ازمنة – عمان 2002 ، وأنا ثانية ، عن منشورات بابل ، المركز الثقافي السويسري -2006، واخيرا " الى لغة الضوء" عن دار الحضارة للنشر ، القاهرة ، 2009، وعنه اعدّ زهير الجبوري كتابا بعنوان " مئذنة الشعر" وهو دراسات وقراءات وأراء في شعر باسم فرات، وقد انجزنا انا وباسم فرات كتابا حوارايا واضفنا اليه الكثير من المقالات والشهادات وقد صدرت في كتاب تحت عنوان " باسم فرات في المرايا "، " أما في اللغة الانكليزية فقد "اصدر هنا وهناك 2004، القمر الذي لا يجيد سوى الانتظار 2006 ، لا قارب يجعل الغرق يتلاشى2010 ..وعن الاسبانية صدر للشاعر في مدريد مجموعة بعنوان " تحت ظلال المنافي " عن دار الفا عام 2007.. وترجمت قصائده الى عدة لغات وشارك في اكثر من انطلوجيا في اللغات العربية والانجليزية والاسبانية والرومانية والفارسية والصينية ..

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أبريل 25, 2018 7:39 pm