كلاديس مطر: باسم فرات و مآذن المنفى الوهمية

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 490
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    كلاديس مطر: باسم فرات و مآذن المنفى الوهمية

    مُساهمة  Admin في الإثنين أكتوبر 25, 2010 12:19 am

    أدلف من ديوان الشاعر المهجري العراقي باسم فرات " خريف المآذن " إلى كل هذه التساؤلات التي تحيط بالمشهد الشعري عموماً و العراقي خصوصاً.
    ولست أحمل بيدي ها هنا معياراً ما أو سلماً نقدياً معيناً و لست ممتلئة بنعمة نتاج مؤسساتنا الثقافية النقدية التي لم تستطع إلى الآن أن تبلور رؤية لهذا المشهد الشعري فتجعله منسجما و متناغما مع ظروفة الزمنية و المكانية أنى كانت ، وإنما تراها أخضعت الفضاء الشعري الرحب اللامتناهي والحر الى معايير أسلوبية و لفظية سلفية بائدة لا يعرف سوى الله قراراها . لقد أسهبت هذه المؤسسات الثقافية النقدية العربية روح الشاعر تماما واكتفت بالحديث عن" ظروف كتابة النص " و عن " تأثير معطيات المرحلة على النص الشعري " و إلى ما هنالك من اجتهادات متشابهة لم تستطع هذه المدارس أن تخرج منها .
    و مؤخرا راجت مقولة جاك دريدا " إن كل شيء موجود في النص " لتزيد الطين بلة فيتمسك النقاد " بورقة النص " و كأنها هي الشاعر تماما !! الحق أن هذا يفترض ايضا مراقبة غير دقيقة و ظالمة لعملية الابداع الشعري و تسويق لفكرة ان على الشاعر من الان فصاعدا ان يكون كله موجودا في النص .. نص واحد او ديوان واحد .!
    اذا ، كيف ندرس الشعر و كيف نعرف دورة حياته و نقيم ذاكرته الماضوية و نفهم ازماته المعاصرة و الى ماذا يتوق لكي يكون !
    اعتقد اننا يجب ان نترك الشعر يتحرك بشكل متواتر كموج البحر المتناغم مع حركة الريح و النسائم فوقه ، كما يجب ان نفهمه كما نفهم البحر تماما و هذا كل شيىء . انه مثل البحر، فطالما ان باطنه ساكن و بصحة جيدة فانه لا يظهر للعيان و انما نرى فقط تموجاته التي تتبدى و كانها ترد بتناغم على ما يحركها من الخارج . اما حين يتحول هذا الباطن الى جثة هامدة فانه يطفو على سطح البحر . حين يبدأ باطن الشاعر بالاحتضار يبدأ بالظهور على سطح القصيدة كالأسماك النافقة و الأعشاب الطافية . و الشعر العراقي في المنفى ممتلئ بالبواطن المحتضرة بسبب الألم العميق و هذا السير القسري للشاعر على حبل مشدود بين " القتل على الهوية في الوطن الام " و " ارتباك الهوية في الوطن البديل " .
    و" الهوية و الوطن " هما العنوان الكبير لشعراء العراق المنفيين و هما سبب احتضار بواطن روح الشاعر و عذاباتها و هما كذلك السبب الذي يجعل قصيدة المنفى العراقية تمتلىء بهذا الكم الهائل من البكاء على الاطلال و الغضب و اللجوء الى التاريخ الأبعد و الأعمق متجاوزين تماما كل المرحلة الدينية التبشيرية و متجهين بكل أطيافهم الى الفترة الني كان فيها للعراقي السومري و البابلي دينا واحدا و ربا واحد ..!
    لقد فتحت المرحلة البعثية العراقية ثم الاحتلال الأميركي الأخير أمام الشعب العراقي باب الأسئلة على مصراعيه فجعلت الكل ( شيعة و سنة و صائبة و آشوريين و يزيديين و أكراد ) أمام ورطة تحديد الهوية . و الحق ان الجواب الحاسم كان لدى شعراء هذا البلد بشقيهم المنفيين او المقيمين : ان الهوية تكمن تماما في الجذر الواحد لهذه الامة، في التاريخ القديم قافزين فوق كل تاريخ فكري او سياسي فئوي آخر مثير للجدل و ملتجئين الى حضن الاسطورة السومرية و البابلية القديمة كطفل لاقى اخيرا وجه امه . بل حتى ان البعض تطرف في ذلك فاصبح يدون التاريخ مستخدما التقويم العراقي على مطبوعاته كما هو الحال في مجلة ميزوبوتاميا التي تعنى كليا بالهوية العراقية الوطنية و التي تريد ان تعيد الألق – بعد فترة من التعتيم مفهومة دينيا و سياسيا – الى كل ما هو عظيم و تراثي و عراقي في آن ابتداءا من عشتار و انتهاءا بـ " ماري تيريز الاسمر " الرحالة و الباحثة و المؤلفة العراقية التي ولدت في العراق في أوائل القرن التاسع عشر .
    إذا هناك رغبة هائلة لإعادة سرد " تاريخ العراق الحديث " ليس من وجهة نظر عقائدية او ايديولوجية – سياسية - تلقينية وإنما انطلاق من سفل الحقيقة التي تفور بالتنوع و التعددية . و الحق إن إعادة السرد هذه هي بالضبط " ربح " العراق المعاصر الذي يقوم من بين الأموات اليوم . فهذه المرحلة المهولة و الشديدة المفصلية في تاريخ العراق ليست كلها هزائم و ليست كلها " أفول " ذلك أن رفع الغطاء مؤخرا عن هذه الخلطة السرية المخبأة منذ آلاف السنين و التي اشتد الضغط عليها في الفترة الأخيرة خلال الحروب الإيرانية و حربي الخليج ، قد كشف المستور و ادخل العراق في نفق الفوضى المنتهية عاجلا ام آجلا الى نظام ما مستقر .
    لا ينفصل الشعر العراقي – البحر في المنفى عما يحدث في العراق .. انه هو الاخر يعيد سرد التاريخ من خلال احتضار بواطن الشاعر المخفية تألما و التي بدات تظهر بكثرة و تطفو على سطح قصيدته و بين ثنايا روحها .
    و كما ان العراق ليس هو فقط عراق مرحلة الفتوحات الدينية و انما هو ايضا العراق المسماري و الارامي المسيحي و العربي المسلم و العثماني و الحديث ، كذلك الشعر هو على صورة و مثال هذا العراق المتنوع و المتعدد .
    و الحق لا نريد فقط لعلي الوردي ان يسرد تاريخ العراق او تاريخ عرب العراق و انما ايضا نريد مؤرخين جدد لا يقطعون هذه الامة الى تواريخ منفصلة او فئات و انما نريدهم ان ينظرون الى هذه البقعة من العالم بكل تنوعها الاثني و الايديولوجي و يرون في تجانسها و تناغمها تاريخ العراق الحقيقي المنسي .. اننا نتطلع الى ظهور شعراء و مؤرخين عراقيين كونيين ينظرون الى امتهم من عل فيجمعون الوطن كله في نظرة واحدة و حركة واحدة كبحر هائل لا حدود او حواجز بين بواطنه .
    اذا هذا هو " كسب " او " ربح " العراق اليوم وهو ربح كما أسلفت لم يكلف المنطقة ناسها و نفطها و محاولة ابادة جزء من تراثها المكتوب و انما كلف الضمير العراقي الذي اصبح اليوم على محك وجوده : من انا .

    لهذا لا يكفي بعد اليوم ان يبكي الشعر العراقي المنفي على الاطلال او ان يكتفي بتذكر زواريب المدن التي هجرها قسرا و حواريها ..لا يكفي هذا الشعر ان يقول انه متالم من الغربة و مما يحصل و ينثر آلام الشاعر الخاصة الشخصية هنا و هناك .. لا يكفي لقيامة الامة و الوطن ان يكون الشعر " مجرد صياغة حرة " .. لا يكفي ان يلعن القوالب النقدية وان ينبش قبور المتمردين فهذه أمور لا تخلق " هذا القاسم المشترك الوطني " بين كل اطياف و فئات هذه البقعة الجغرافية لبلاد ما بين النهرين.
    للشعر مهمة اخرى تفوق الجمالي و الثقافي و الاشكالي في هذه المرحلة .. انه شعر مناضل ايضا يبحث هو الاخر عن جواب على معضلة الهوية .
    ربما هكذا قرأت ( خريف المآذن ) ديوان الشاعر العراقي باسم فرات المقيم في هيروشيما – اليابان . هكذا كنت ابحث فيه عن هذا الجواب او عن هذا القاسم المشترك الوطني لابناء هذه الامة مع اخذي بعين الاعتبار خصوصية كل منفى و تنوعه و هذه العلاقة التبادلية بين الشاعر و بلد المنفى الذي يقيم فيه و تأثره بعناصره الثقافية ، و مع اخذي بعين الاعتبار ان التوق لكتابة الشعر يجب في الوقت نفسه ان يكون منزها عن أية غاية و بدائيا و حرا لكي يكون توقا شعريا .
    يحمل عنوان الديوان هجوما ضمنيا على ما يعتقده الشاعر السبب في هذه الفوضى التي تمر بها الامة . و هو عنوان ليس فيه رائحة " اللف او الدوران الجمالي " الذي نراه في بقية العناوين الشعرية الاخرى . انه عنوان واضح لفكر الشاعر و موقفه الغير حاسم تماما ، بل انه يقول ان في هذا العنوان " نفحا جماليا صوفيا "
    أنا جنة ُ نفسي و قيامتُها ...

    ليس عبثا ان يعد باسم فرات جزءا من المشهد الشعري النيوزيلاندي بشهادة الكثير من الاكاديميين و الكتاب هناك . فعلاقة هذا الشاعر بمنفاه علاقة ديناميكية ، علاقة تفاعل ثقافي لا جدل فيه . و لقد تمكن من ان يبني له ملجأ بمواصفات استراتيجية شعرية تسمح له بان يحقق ذاته كليا من خلال قصيدة عراقية منفية كتبت " هناك " .
    في احد رسائله الي كتب يقول " انا خالق ديني وتفكيري ومنظومتي الحياتية والاخلاقية ." و هذا واضح من دون شك عبر الديوان حيث هذه " الانا "، اناه هو ناشطة كسوط مضيء يتحرك من قصيدة لاخرى ..." انا الاخير في قافلة العزلة .." ، " انا اعد حرائق يومي .." ، " انا وبغداد ." ، " انا خطأ " ..، " انا السومري " ، " ، " انا جنة نفسي و قيامتها " ، " انا بلا متع بلا امجاد " ، " ها انذا " ، " انا لم اخبىء طفولتي في قميص " ، " ان و الله وحيدان " ، " انا الجنوب المطلق " ، " انا باسم فرات " .
    ان صرخة الانا في قصائدة تمثل هذا الاعتراض المكبوت القديم على ايديولوجية كانت ترى ان الشعر اذا لم يكتب لتماثيل القادة فهو ترف لا تدير له المؤسسات الثقافية التلقينية في الوطن الام في العصر البعثي البائد ادنى التفاته . و لهذا فان روح كاتب هذه القصائد آثرت الرحيل فما ينفع مع وعاظ السلاطين لا ينفع معها ، و ما كان يلقن في الحوزات الدينية بكل ما فيها من نقاشات و اجتهادات لم يفعل فعله برايه و انما بقي كما يقول " محصورا في حلقات الدرس " حيث الانغلاق يفرز انغلاقا اكبر و اعم و حيث ثقافة الحرب انهكت احلام الشعراء الذين اجبروا على الابتعاد عن بيوتهم و النوم فوق المجنزرات و الدبابات كقرابين بشرية في حروب الديكتاتور الوهمية . انه لا يجد صوابا في فكر ، مهما كان مقدسا ، يدعي المظلومية ويتشبث بالماضي ، كما يقول بل انه يطلب الانعتاق منه واللجوء الى وسائل الاعلام لطرح وجهة النظر بعيداً عما علق بها من أشنات على امتداد ثلاثة عشر قرناً وخصوصاً فترة الصراع الصفوي العثماني.
    لكن هذه " الانا " ايضا هي هذه الروح التي تتوق الى التفرد ..فعندما يقول " لا احد يغرد في حنجرتي " فهو يعني تفرد صوته او كما كتب يقول " ... انا مثل نفسي الاعلى في تفكيري وسلوكي واخلاقي بل حتى في الصواب والخطأ ، وكل منحى من مناحي الحياة ، لا اسمح لنفسي ان اكون سكيرا كون الشاعر الفلاني كان كذلك ....... والخ . "
    اذا نحن امام مشروع انسان عراقي جديد قيد التحقق ..انه اللاجىء البعيد الذي يتامل في صورة الوطن عن بعد لكي يحيط بكليتها بدلا من الغوص فيها و التحول الى ذرة صغيرة في فلك الفوضى و الاحقاد و وجهات النظر التي انهكتها الفتاوي .



    أنا و بغداد ...

    يقر الشاعر باسم فرات ان ديوان " خريف المآذن " ما هو الا قصيدة من مقاطع . انه يقول انها " دورة تبدا من المنفى وتنتهي في العودة الى باسم فرات ، الى الطفولة ، الى الذات الى التاريخ الشخصي ...فليس اعتباطاً ان تبدأ المجموعة بهذه الجملة " أي حلم يجفف طفولتي ، وتنتهي بـ " فلا اجد مسرباً للحرية " ...خريف المآذن هو دورة حياة كاملة ، انها تاريخ شخصي .. "
    الحق من غير العادل ان يُرى الديوان بغير تلك النظر الشمولية الواحدة ..انه ليس شظايا متفرقة مبعثرة انطلقت من روح الشاعر و استقرت كل منها في مكان ...انها كل متكامل متجانس ضمن بوتقة الكلام الذي اريد له ان يقال دفعة واحدة . كما انه من غير العادل ان لا يُنظر الى الامكنة و المواقع من خلال شخصنتها او تماهيها مع ذات الشاعر ..

    " أنا وبغداد
    نجلس معاً على شاطئٍ نعرفه ...
    نحتسي خرابنا "

    و هذه الشخصنة او هذا التماهي ليس عبثيا فالخراب قد طال الاثنين : المكان و الروح التي تسكنه ، كلاهما معا قدما كقرابين على مذبح الجنون الفالت من عقاله في العراق ، جنون روج للاغتصاب ، اغتصاب الحكام للمحكومين ، و النظام للشعب ، و الدين للمؤمنين ، و هلم جر .. في رحاب للهول لم يخطر على بال بشر .
    اذا ..ماذا على الشعر ، أي شعر ان يقول الا اذا كان عبر الروح الايلة للسقوط المرة تلو الاخرى كالشوارع المفجرة للتو و الابنية التي ملأها الرصاص العقائدي بالثقوب .
    و لكن مع ذلك ، فان هذا الباطن المحتضر في روح شاعرنا بدا عاجزا و من دون حيلة و هو يتبدى على سطح القصيدة تماما كعشبة بحرية مهترئة او بقايا زورق محطم لم ترحمه العواصف .
    وعَبَثاً أمسحُ أكفانَ الأيام المنسدلة من شعرها
    مقبرة السنوات تتمدّد فوق إسفلت ذاكرة مليئة بندوب الحروب
    حدادٌ يُغلّفُ حيواتنا
    لا أتنفّس سوى الخراب
    أحاول – دون جدوى – أن أفتحَ كوّة فيه
    لا أجدني إلاّ انكساراً يشعُّ

    و هكذا يدخل شاعرنا ،كما اراه ، من حيث خرج أي من باب الهزيمة و الانكسار و ليبقى منقوعا في تجليات الحزن و دوائره المتنامية المتسعة و المتلاشية لتظهر من البؤرة اخرى فاخرى و هكذا دواليك ...
    لقد خذل روحي ديوان " خريف المآذن " في كل مرة كانت روح الشاعر فيه تدخل من حيث تخرج بالرغم من كل النوايا الطيبة الجمالية و الفكرية التي كانت ترد هنا و هناك مملحة القصائد بنكهة الابداع . لقد انكسرت موازيني و معاييري التي اقيس فيها شعر المرحلة العراقية الاليمة في هذا الديوان لاني كنت انتظر " كلمة السر " الكبرى المزلزلة في كل ركن فيه ولكنها لم تاتي و ربما لاح خيالها ، اقول خيالها فقط هنا و هناك ...!
    ما يرضيني ان بذور هذه الكلمة " مدفونه " ها هنا .. أي في انفاس الشاعر .. انها ايضا بحصة كما نقول نحن في بلاد الشام على وشك الخروج ..الم صغير آخر و تطفح الروح بباطنها الاجود و تفيض .
    ان المظلومية التي نبذها باسم فرات في الفكر العقائدي الشيعي ها هي ترن هنا في حنجرته الشخصية ...فبلده لا يمكن ان يسترجعه و لم يعد هناك ملاذ الا في قهوة المنفى الكئيبة .
    أسمعتك نشيدي فما أسمعتني غير احتراقي
    قدت المطر الى بابك فانزلقت أنامله فوق جبيني

    أخشى على الله من الطوفان ....

    بالمقابل ـيبرع باسم فرات في اللف و الدوران حول الأسلاك الشائكة التي تحيط بالدين ..انه حتى يحاول ان يقتطع جزءا منها .. ان يعزل الكهربا ء عنها فيصبح الدخول اليها آمنا .. ان ينسف عزلة الدين المنفصل في عقول اتباعه عن اية صيرورة زمانية ومكانية . و ما أدراكم ما الدين حين لا يُفهم من خلال هذه الصيرورة .!! انه جثة دمية هامدة نحاول ان ننفخ فيها الروح . بل اننا لن نجد في أنبيائنا الذين عزلناهم عن هذه الصيرورة المنقذين الرسميين بعد لنا ...و هكذا تتحول المآذن الى ابراج ليس الا !

    أخشى على الله من الطوفان
    فليس ثمة نبي ينقذ ما تبقّى
    ................
    عانقتُ برجاً خلته مئذنة

    الحق ان كلمة السر التي لم يقلها الشاعر فيما يتعلق بالوطن لم يقلها ايضا فيما يتعلق بالعقيدة و ان كانت هي الاخرى يلوح شبحها هنا و هناك . انه يلتجئ الى كربلاء المدينة التي ولد و عاش فيها هو و اجداد اجداه من العائلة منذ تسعة قرون كما يقول .
    يا أعتق المدن المقدسة
    جئناكِ بالدرّ والحنين
    لنرتشف من مائك الطهور
    سلسبيل أغاني الذين لاذوا
    بعفتكِ من نجاسة الحروب
    المتكئين على أرائك المجد
    وشهوة الخلود
    أبناء سبيلكِ
    لهم العزة كلما توغلوا في الرفضِِ..
    لكن هذا اللجوء الى هذا الماضي الذي على وشك الأفول يصطدم بالأجهزة و ضباط الأمن .

    عباءاتٌ تكنس الغزاة
    فيطعنها ضابط الأمن

    ترى الى اية معادلة يتطلع باسم فرات الانسان و هو ما زال يخطو بخطوات مثقلة مرتبكة على طريق الوضوح ..اي جهة سوف يختار ! لماذا كلما راى خريفا يطل من مئذنة بكى عليها و على كل ما يمت لها بصلة من " قطع غيار " ...!! ما هو هذا الحزن الغامض الذي يربك نقاء بصيرته فيعترف انه يريدها و لا يريدها في نفس الوقت !! و اذا هل يكفي ان نعيش " هناك – المنفى " لنكون حقا هناك ... ام ان الذاكرة المثقلة بتفاصيل الوطن لا تعرف ان تخون مهما أمال " الهوى " صاحبها !!!
    لي من الحروبِ تذكارٌ
    ومن البلادِ أقصى الجراح
    لي من الأسى دموع المشاحيف وارتباك القصب
    تأوهات النخلِ
    بوح البرتقالِ
    دمُ الآس
    هناكَ ...
    تركتُ على خارطةِ الطفولةِ
    براءةً ثقّبَتها عفونة العسكر
    ومن البيت سرقتني الثكنات
    ورمتني الى المنفى

    و لكن ،و بعد كل شيء ، لماذا أنتظر كلمة سر عن الوطن و العقيدة اذا ما زالت روح الشاعر في طور الاحتضار ... الاحتضار الطويل الأمد الذي يقذف كل هنيهة عشبة ميتة الى سطح أمواج القصيدة، و لما علي ان اخضع أي نص شعري لديه الى ما أتوقعه منه اذا كانت هذه اليد التي خطت هذا الديوان مازالت تهفو لكي تُشبعَ حزنها على ارصفة شوارع المدن التي تركتها في الوطن !!!!

    كلاديس مطر
    كاتبة و ناقدة

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت أغسطس 18, 2018 9:37 pm