عدنان حسين أحمد: مئذنة الشعر: قراءات نقدية في التجربة الشعرية لباسم فرات

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 493
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    عدنان حسين أحمد: مئذنة الشعر: قراءات نقدية في التجربة الشعرية لباسم فرات

    مُساهمة  Admin في الإثنين أكتوبر 25, 2010 12:28 am

    صدر عن دار التكوين في دمشق كتاب نقدي بعنوان مئذنة الشعر . وهو مجموعة دراسات وقراءات وآراء نقدية في التجربة الشعرية لباسم فرات، المقيم حالياً في هيروشيما. الكتاب مقسم مبدئياً الي ثلاثة أبواب، وهو من إعداد وتقديم الناقد زهير الجبوري الذي كتب مقدمة ذكية ومستفيضة عن تجربة باسم فرات الشعرية. تضمن الباب الأول المعنون دراسات وقراءات في تجربة باسم فرات 38 دراسة وقراءة نقدية. أما الباب الثاني فقد جاء تحت عنوان الدراسات المترجَمة في شعر باسم فرات وقد إحتوي هذا الباب علي ست دراسات مترجمة. أما الباب الثالث والأخير فقد إنضوي تحت عنوان آراء في تجربة باسم فرات الشعرية والذي ضمَّ أربع مقالات رئيسية إضافة الي آراء مقتضبة لأغلب النقاد والشعراء المساهمين في هذا الكتاب، إضافة الي ثلاثة آراء نقدية مهمة لكل من الشاعر سعدي يوسف والشاعر الراحل سركون بولص والناقد حاتم الصكر. إحتشد الكتاب بالعديد من الآراء التي يصعب حصرها في مقال واحد. لذلك سنتوقف عند أبرز هذه الآراء، وأكثرها قوة وحضوراً. يري الشاعر عيسي حسن الياسري أن التنقّل عبر مسالك قصيدة باسم فرات شبيه بالتنقل فوق أرض غير مكتشفة (مئذنة الشعر ص 14) وهذا يعني أن النص الذي يكتبه باسم هو نص جديد، وغير مطروق سابقاً، إضافة الي توفره علي عنصر الدهشة والمفاجأة المرتبطة بالإكتشاف الأول. أما القاص والروائي عبد الستار ناصر الذي يعرف باسم فرات عن كثب بسبب تواجدهما في عمان لبضع سنوات، وإطلاع عبد الستار علي أغلب النصوص التي يكتبها باسم فقد وضع إصبعه علي الجرح حينما قال نصف ديوانه أسئلة، ونصفه الثاني جروح مطعمة بملح الجنوب الذي يبقيه موجوعاً وصاحياً الي آخر العمر (ص 20) وهذه ملاحظة دقيقة جداً. فمن يقرأ مجموعات باسم الشعرية سيكتشف من دون عناء كبير حجم الكم الهائل من الأسئلة التي تتناسل في متون قصائده. كما أن النصف الثاني هو فعلاً جروح ومعاناة وسلسلة طويلة من الرثاء المتواصل. وهنا أود أن ألفت عناية باسم الي أهمية التخلص من أسر الذات وذكرياتها مهما كانت مفجعة ومهيمنة.
    وعلي المبدع دائماً ألا يترك الجوانب الأخري في الحياة وخصوصاً المبهجة منها. رصدت الناقدة السورية كلاديس مطر ظاهرة التضخم الأنوي عند باسم فرات حتي أنها وصفت خريف المآذن بأنها دورة حياة كاملة. وأنها تاريخ شخصي للشاعر.
    والملاحظ أن مجموعتة الشعرية الثالثة التي صدرت قبل بضعة أشهر قد إنضوت هي الأخري تحت عنوان أنا ثانية مؤكداً إصراره علي المضي في طريق الأنا المتضخمة التي لا يحيد عنها حتي في المستقبل القريب في الأقل. ركزت الناقدة الفلسطينية نجمة حبيب علي اللغة الإنزياحية في قصائد باسم، وتلاعبه في البني الدلالية للكثير من الصياغات الشعرية الموفقة والصادمة في آن معاً. فهو الذي يقود القناديل الي الضوء. وهو الذي يتخذ من السواد دليلاً بخلاف القواعد المتفق عليها سلفاً. إلتفت الناقد وديع العبيدي أيضاً الي حضور الذات وهيمنتها في نصوص باسم الشعرية. كما أشار إشارة حصيفة الي إستثمار الشاعر للبنية الدلالية لمسرح الطف وتوظيفها بطريقة فنية شديدة التأثير من دون أن يقع في المطب الطائفي أو فخ السذج والمغفلين الذين سيذهبون جفاء. ركز الكاتب مسلم الطعان علي مشيمة الحزن التي يمتح منها باسم فرات ليغذي تجربته الشعرية. وهذه ملاحظة يكاد يشترك فيها أغلب الذين تناولوا مجموعات باسم الشعرية بالنقد والتحليل. وربما تكون إلتفاتة الطعان في محلها عندما وصف باسماً بأنه شاعر مائي. وقد توقف عند عدد من الأمثلة والشواهد التي تعزز أطروحته المائية. أما الناقد علي حسن الفواز فقد رصد قوة التأمل العميق لدي باسم في مرحلة الطفولة، وما نجم عنها من آفاق دلالية متشظية ساعدته لاحقاً في كتابة قصائد تستمد قوتها من مضارب الطفولة علي رغم من قساوتها وفظاظتها ووقعها المأسوي علي الشاعر المعروف بحساسيته المفرطة. ومن الملاحظات التي نعتبرها مهمة جداً علي الصعيد النقدي هي إشارة الفواز الي تفتح حواس الشاعر في الصوت والحدس والشم ومن النادر أن يلتفت النقد العراقي الي أهمية الحواس في الأدب، باستثناء دراسات الناقد والمربي الكبير د. صلاح نيازي. إذ تلعب الحواس دوراً كبيراً في الكشف عن البنية الداخلية لأي نص إبداعي، وتكشف لنا من الناحية المنظورية المكان الذي يقف فيه المبدع في أثناء مرحلة الكتابة مما يسهل عملية التأويل، وملامسة الأبعاد الجمالية في النص المنقود. تُشيع دراسة الناقد جبار الكواز الأمل لدي القراء والمتتبعين لتجربة باسم الشعرية. فهو من النقاد القلائل الذين ذهبوا أبعد من الدائرة التأويلية التي تتيحها النصوص المنشورة، وقرأ الجانب العقلاني من الدلالة اللغوية. فكثيرون شعروا بالتشاؤم واليأس والقنوط من مفردة خريف ولكنهم نسوا أو تناسوا بأن الخريف لا بد أن يتبعه شتاء ثم ربيع أو ولادة جديدة كما أسماها الكواز حينما توقف عند ثنائية خريف متحرك / مآذن ثابتة حيث قال المآذن رمز شاخص لمقدس خالد. والخريف رمز متحرك يؤذن بالأفول والزوال الذي يتبعه الموت فالولادة الجديدة ( ص 130). توقف الشاعر حميد حداد عند ملاحظة مهمة جداً حينما أشار الي أن ذخيرة باسم اللغوية مستمدة من قاموس رومانسي غير أنه يجيد التعامل مع هذا القاموس رغم خطورته، ويحمله عبء البوح نيابة عنه دون أن يقع في شرك التكرار ( ص 138). تطفح دراسة الدكتور مقداد رحيم هي الأخري بالأمل. فعلي رغم من دراسته العميقة للمفردات الثلاث التي تتكرر في قصائد فرات وهي التناسل والإنكسار والصهيل، إلا أنه ركز علي أهمية الصهيل الذي يدل علي رغبة الشاعر في القيام من إنكساره، وإصلاح حياته بشيء من أمل ( ص 154).
    وربما يكون د. رحيم هو الناقد الوحيد الذي وصف نفسية باسم بأنها سوداوية معقدة ترمي بظلالها علي نصوصه الشعرية ( ص161) وهذا التوصيف دقيق جداً لأنه يستشف معطياته من الثيمات والصور الشعرية المبثوثة بين ثنايا قصائده. وعلي رغم من سوادوية هذا الشاعر، وطبيعة حياته المأسوية المعتمة إلا إنه ينثر الزهور بين السطور فنجد أنواعاً من الرازقي والنرجس والبنفسج والياسمين ( ص161) في محاولة من الشاعر، كما يذهب د. رحيم، لتعطير تلك الأجواء المؤسية، والتخفيف من كآبتها، وحدة ظلامها الدامس. وفي خاتمة المقال ينبه الشاعر الي ضرورة الإبتعاد عن التكرار لئلا يقع أسيراً للتعبيرات النمطية التي تحرمه من الفرادة، وتحشره في خانة القصائد المستنسخة عن بعضها البعض بطريقة مشوهة. شدد الشاعر عبد الرزاق الربيعي علي خصوصية قصائد باسم فرات التي نعرفها من طعمها، ونبرتها الخاصة حتي لو لم يذيل الشاعر قصائده المنشورة بتوقيعه الخاص. كما لفت الإنتباه الي أن باسماً لم ينبهر كالكثيرين من أبناء جيله بالفرقعات اللغوية وإغراءاتها، والإستسلام للاشعور، بل حمل أزميله، وخط صرخاته بكل رويّة وتأنِ . (ص181) والمتأمل لقصائد باسم سيكتشف وجود هذه الخصوصية اللغوية التي تشير إليه بوصفه خالقاً للنص ومبدعاً له. لم يعش باسم تجربة حياتية طبيعية مثل أقرانه الأطفال في مدينة كربلاء. إذ توفي أبوه وهو في الثانية من عمره، ثم تراكمت عليه المصائب والمحن، مما جعله يعيش علي رغم منه علي ذاكرتين مليئتين بالتشاؤم والإحباط، لذلك فقد غلبت علي نصوصه البني الارتدادية بحسب توصيف الناقد صفاء عبد العظيم. ولهذه الملاحظة الدقيقة ما يعززها في تجربة باسم الشعرية علي مدي ثلاثة دواوين أصدرها لحد الآن. أما الناقد خزعل طاهر المفرجي فقد أشار الي الشخصية النوستالجية في قصائد باسم. وهي إشارة في محلها، علماً بأن حنين الشاعر لم يقتصر علي الأهل والأحبة والاصدقاء، وإنما تجاوز ذلك الي الأمكنة العراقية كلها.
    الدراسات المترجمة
    حفلت مئذنة الشعر بست دراسات مترجمة أنصفت تجربة الشاعر باسم فرات، وإصطفت الي جانبها.
    ووصفت الشاعر نفسه بأنه يقتفي أثر الشعراء العالميين الكبار أمثال أبو لينير وتي. أس. إليوت. يقول الشاعر النيوزلندي طوني بَيَر أن باسم فرات هو ذلك الصوت الذي نحتاج الي الإستماع عليه ( ص 292) فالشعراء هم الذين يقولون الحقيقة، وليست وسائل الإعلام التي تروج الأخبار المزيفة والكاذبة بهدف التشويه والتنميط. ويري الناقد النيوزلندي مارك بيري أن الاسلوب الذي يتبعه باسم فرات في كتابة قصائده إنما هو نابع من قراءاته الكثيرة للأدب الأوروبي الحديث المترجم الي العربية. وهذه ملاحظة إيجابية تدلل علي إنفتاح الشاعر علي الأدب الأوروبي وإفادته من الاساليب التعبيرية والتجريدية في الكتابة. وقد ذهب بيري أبعد من ذلك بكثير حينما وصف باسم فرات بالقول: أن فراتاً شاعر صاعد ليس في الشعر النيوزلندي، وإنما في الشعر العالمي. وإذا ما قدر له العودة الي العالم العربي فلسوف تكون إقامته في نيوزلندا، علي أقل تقدير، سبباً في إبداع العديد من القصائد المجددة المدهشة. وهذه هي بهجة المنفي كما يقول إدوارد سعيد. ( ص311). وقد ختم الناقد بيري مقالته الطويلة عن شعرية باسم فرات بالقول إن شعر باسم فرات يشكل إضافة حقيقية الي الثقافة النيوزلندية ( ص311).
    آراء في شعرية باسم فرات
    أما الباب الثالث والأخير فهو باب آراء. وقد ضم هذا الباب، إضافة الي إحتجاجات باسم فرات في توصيف سيرته الحياتية والإبداعية، آراء مقتضبة لأغلب المساهمين في هذا الكتاب النقدي إضافة الي عدد من المقالات التي دبجتها أنامل القاصة لطفية الدليمي، والشاعرة نجاة عبد الله، وجلال حسن، وعيسي بلاطة. كما إحتوي الكتاب علي آراء قيمة لعدد من الشعراء والنقاد من بينهم سعدي يوسف، والراحل سركون بولص، والناقد حاتم الصكر. إكتفي الشاعر سعدي يوسف بوصف الطريق الذي وجده باسم فرات بأنه متفرد وغير مطروق في المشهد الشعري العراقي الرائع في المنفي (ص 315) وأجد من الضروري الإشارة الي أهمية رأي سركون بولص الذي قال: إن شعر باسم فرات رثائي بالدرجة الأولي مما يدنيه من شعراء سومر الأوائل الذين ندبوا خراب أور، ونفر، ونيبور ( ص 315) وهذا الرأي النقدي المقتضب هو خلاصة دقيقة لمجموعات باسم الشعرية الثلاث في الأقل، لأننا لا نعرف ما الذي سوف تجود به قريحة الشاعر في المستقبل. يري الناقد حاتم الصكر أن قصائد باسم فرات لا تثير فحسب روائح الماضي وخسائره، ولا تعلات المنفي وكمائنه، بل تستقدم الشعر من مناطق قصية في الذاكرة ( ص 316).
    تجدر الإشارة الي أن الكاتب المتواضع لهذه السطور قد أسهم بمقالتين في هذا الكتاب الأولي قصائد باسم فرات بين تقنية النص المفتوح وبنية التبئير وهي دراسة نقدية طويلة لمجموعتيه الشعريتين أشد الهديل و خريف المآذن والثانية هي فن الترجمة وملامسة المعاني الحقيقية والمجازية وهي مراجعة لترجمة قصائــــده المنشورة باللغة الإنكليزية في مجموعته الموسومة هنا وهناك .
    بقي أن ننوه بمعد ومقدِّم الكتاب الناقد زهير الجبوري الذي تألق إسمه في السنوات الخمس الأخيرة حيث أصدر كتابين نقديين مهمين وهما أيقونات مفتوحة .. قراءات في الشعر العراقي الحديث عام 2006. و رؤيا العالم: قراءة في شعر موفق محمد وهو كتاب مشترك صدر عام 2007. ولديه مخطوطتان نقديتان تنتظران النور.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أكتوبر 17, 2018 8:50 pm