راسم المدهون: "أنــــــا ثـــــــانــــــيــة" لـبــــــاســـــــم فــــرات .. يــحــــــدّث نــفــســـــه عــن نــفـــســــه

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 490
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    راسم المدهون: "أنــــــا ثـــــــانــــــيــة" لـبــــــاســـــــم فــــرات .. يــحــــــدّث نــفــســـــه عــن نــفـــســــه

    مُساهمة  Admin في الإثنين أكتوبر 25, 2010 12:34 am

    الشاعر العراقي المقيم في اليابان باسم فرات يستهويه أن يتحدّث عن نفسه، أن يقول لنفسه ما حدث له في اغترابه المكاني والروحي على حد سواء. قصيدته "كلام" يهديها الى حزنه الوجودي وما فيه من تشظيات تذهب بالقصيدة إلى فضاء حرية تجعل الشعر لا يأخذ جدارته من صياغاته اللغوية أو تجريبيته الشكلية ولكن من إلتفاتات الشاعر نحو حياته بالذات. في تلك الحياة تكون البساطة ضربا من اللامعقول، ويكون العيش العادي، المألوف بل الرتيب، شبه أمنية في جغرافيا بشرية عربية تطفح بالألم وتمور بحروب أهلها مع الآخرين، ثم بحروبهم مع أنفسهم في رحلة يومية تدفع اللغة الشعرية الى "النجاة" بنفسها من جحيم لا تتسع للشعر وإن كانت تمنح كاتبه فرصا متجددة للبكاء على نفسه وعلى خراب العالم: "أنت لا تدركين/ ماذا يعني أن نترك قبلاتنا/ فوق الرخام/ وينزلق الهواء بين ركبتينا/ من يمسك بالصدفة يمسك بكل شيء".
    تجربة باسم فرات الشعرية تذهب بعيدا عن تجارب قصيدة النثر العراقية الجديدة وحتى عن الشعر العراقي الذي يكتبه مجايلوه الذين عرفنا من بينهم أصواتا متميزة مثل محمد مظلوم وسهام جبار، الأول بمشهدياته التي تحتفل بالخراب وتؤسس لعلاقته بالإنسان في فضاءات مزدحمة بالأسئلة، والثانية بحضور الفكرة في علاقتها الوطيدة بالجملة الشعرية واللغة المكثفة ذات القدرة على تجاوز معانيها المباشرة الى ظلال المعنى وظلال الصورة وتدرجاتها. يأتي باسم فرات الى قصيدته شبه أعزل من كثير من أدوات "الترف" الحداثي، متكئا على روحه وقلقها الإنساني وشغف شاعرها بالتجول في فضائه الخاص، الضيق حقا ولكن المشحون بالرؤية: "المساءات المليئة/ بنفايات الحروب/ تطرق بابي عمدا/ أستلّ من أفقي/ أفقا آخر/ وأرسم بالحسرات/ ما يشتهي الطير من السماء".
    تقارب مجموعة "أنا ثانية" أن تكون لوناً من مرثية الذات، لا في لحظات الموت ولكن في أيام الحياة وسنواتها والتي تبدو فادحة. فهي تأخذ الشاعر والشعر معا الى لعبة التعبير عن ذلك كله في ما يشبه لوحات، لكل واحدة منها حضورها المستقل ولكن أيضا علاقتها الوطيدة بوصفها جزئيات المشهد ونتف الصورة، الممزقة غالبية الأحيان. وهي تطفح ببلاغة الغربة حين تتحول الى ديمومة وتنأى معها وبسببها صورة الوطن، ليس بوصفه بلادا من شعارات أو حتى "فردوسا مفقودا" ولكن باعتباره حاضنة طفولة وفضاء علاقات أسرية تعني الدفء والحب الذي لن يشابهه أي حب آخر وإن يكن حقيقيا: "كانت أحلامك تصرخ/ ونحن نهيل التراب عليك/ لمسنا الهزيمة فيها".
    قصائد هي شهادات حال تستقصي الفجيعة الفردية وتعيد رؤيتها في امتداداتها الواقعية ولكن في حضورها من نبع الذات ووهجها الإنساني، في لغة شبه سردية، تقول وتقص لكنها لا تنسى في احتدام قصّها كثافة المعنى وكثافة الصورة معا. بل نحن ازاء قصائد هذه المجموعة نلمح لونا آخر من التعبير الشعري العراقي خارج العراق. قصائد لا تقف عند المكان، اذ هو مكان في الروح والمخيلة أكثر منه شواهد عمرانية تدلّل عليه وتشير له بإسم ما، أي إسم.
    باسم فرات في "أنا ثانية" يكتب بلغة سهلة الكلمات، بعيدة المرمى. لغة نعتقدها للوهلة الأولى محايدة لكنها تحمل الكثير من جدارة انتمائها الى فضائها الشعري وما فيه من عوالم ينسجها الشاعر ويعيد تأثيثها بكل ما في الألم من وهج وبكل ما في الحزن من "بطولة" تتفوق على البطولات التقليدية بانكسارها بالذات، بل باعترافها الصريح بالإنكسار.

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت أغسطس 18, 2018 9:37 pm