د. حسن ناظم: فهم الساموراي

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 493
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    د. حسن ناظم: فهم الساموراي

    مُساهمة  Admin في الإثنين أكتوبر 25, 2010 12:54 am

    يعتمرُ خوذتَه
    يمتشقُ سيفَه الذي يكادُ ينافسُه على قوامه
    يتمنطقُ بالفولاذ
    إنه بكاملِ أُبّهتِهِ
    فيه رائحةُ التاريخ وبقايا غباره
    ولأنه لم يجدْ فرساناً ليقاتلَهم
    خصّصوا له ركناً في المتحف
    وفي المهرجانات
    تراه يجلسُ على صخرةٍ قربَ قصرِه
    أو يقفُ في زاوية ما
    تُلتقَطُ له الصورُ التذكارية مع الأطفال
    وفي أحسنِ الأحوال
    يتبخترُ أمامَ الزوّار
    وفي المساء
    عندما تنفضُّ العوائلُ إلى مهاجعِها
    يُجرَّد من أُبّهتِهِ
    ويُركَن في زاويةٍ شبهِ مظلمة
    في متحفٍ ما
    بانتظار مهرجانٍ جديد.
    الساموراي، باسم فرات
    من مجموعة "أنا ثانية" (منشورات بابل، زيورخ بغداد، 2006)
    كان الشاعر الراحل محمود البريكان أستاذ هذا النمط الشعري المحيّر بإمتياز من النصوص الشعرية. نصّ يقف على أعتاب اللغة العادية ناشداً تكوين قصيدة. في مثل هذا الموقف، يكبر حجم المجازفة بإبداع قصيدة، ومعها يسهل كلّ من إدعاء إبداعيتها والإعتراض على هذه الإبداعية، ورميها في مهاوي الإعتياد اللغوي في آن. فالنصّ الشعري الذي يعتمد على الوصف الحيادي لمشهد ما، على الإبلاغ عنه بلغة تبدو متجرّدة من الحمولة العاطفية والنفسية، هذا النصّ يثير سؤالاً ملحّاً عن شعريته.
    قصيدة باسم فرات "الساموراي" تثير هذا السؤال لديّ. وهنا محاولة للإجابة عنه. يقيم الشاعر في هيروشيما، في اليابان، بيئة الساموراي. ألهذا صلة بالنصّ؟ لابدّ. يبدو أنه فعلاً "شاهد" الساموراي الياباني هناك، في متحف ما، أو مهرجان. فأخذ على عاتقه أن "يبلغنا" بما رآه. فبدأ بعد "المشاهدة" بعملية "الإبلاغ" واصفاً الساموراي بأنه "يعتمر خوذة، ويمتشق سيفاً، ويتمنطق بالفولاذ"؛ توالي جمل فعلية مضارعة حيادية تؤبّد بمضارعتها شكل الساموراي، ثمّ تتوالى جمل أخرى مضارعة لتصف لنا أفعاله، فهو "يجلس أو يقف، تُلتقَط له الصور مع الأطفال، يتبختر، ثمّ يُجرّد، وأخيراً يُركَن". سلسلة هذه الأفعال تمنح الساموراي وظيفة جديدة غير ما كان معروفاً عنه. والنصّ واضح بصدد ذلك، إذ "تصرّح" بأنه "لم يجد فرساناً ليقاتلهم".
    والآن، إذا كانت سلسلة الجمل الفعلية في النصّ تطلق أوصافاً جامدة، حيادية، للساموراي، فكيف تتجسّد في النصّ قصيدة؟
    في هذا النصّ، ثمة دائماً شيء مكتوم يرافق كلّ جملة. النصّ يطلق شيئاً ويكتم آخر. إنه متماهٍ تماماً بعنوانه: الساموراي. فالساموراي نفسه يطلق شيئاً ويكتم آخرَ. فهو موجود، والنصّ يقول "إنه بكامل أُبّهته"، ولكنه غير موجود أيضاً، والنصّ لا يقول شيئاً عن ذلك، بل هو يكتم ذلك.
    والساموراي مظهر، فهو "يعتمر ويمتشق ويتمنطق"، هذا ما يقوله النصّ، فهو مظهر بادٍ للعيان، لكنه جوهر أيضاً، جوهر مكتوم، لنقل عفى عليه الزمن، والنصّ يُظهر المظهر البادي للعيان، ويكتم الجوهر المتعفّي.
    يبقى نصّ الساموراي حتى آخر جملة يرتّب اللغة بحيث تطلق شيئاً وتكتم آخر. إذ إنه في الأخير يقرر أن الساموراي "مركون" "بانتظار مهرجان جديد"، وفي هذا كتمان لعدم أهليّته للحياة اليوم.
    في كلّ هذه الإطلاقات والكتمانات تتوتر اللغة التي تبدو عادية، تقريرية، حيادية في وصفها الساموراي. نتذكر هنا قصائد البريكان المدهشة: "الأسد في السيرك"، "رحلة القرد"، "متاهة الفراشة" على سبيل المثال. يقف الشاعر فيها حيادياً على واقعة ما، يبدأ بإخبار قارئه ما يحدث، وكلما طال أمد الواقعة، ومن ثمّ طال الوصف والنصّ، أوغلت اللغة في حياديتها.
    والقارئ الذي يودّ أن يتلقى هذه القصيدة كونها قصيدة، عليه أن يحذر من الجمل المخاتلة، تلك التي تبدو بريئة ومحايدة، عليه أن ينظر إليها بعين الريبة، وأن يقول إنها لنفسه إنها تخبّئ شيئاً وراء هذه البراءة. وبمثل هذه الحيطة والحذر يُكسب القارئُ النصَّ شعريته، ليس فقط بمنحه أبعاداً غنية على مستوى الدلالة، ولا فقط بمنحه الطواعية في توفير قراءات متعددة، بل في أنه مُنح وضعاً شعرياً خاصاً، في أنه "تشعرن" بطريقة غاية في الغرابة، عن طريق اللغة العادية. يجب أن تدفعنا اللغة العادية هنا، اللغة التي تصف محض مشهد، إلى تخطّي عاديتها، بما أنها تشي ضمناً بشيء كامن في مكان ما، ومهمتنا البحث عن هذا الكامن والمتخفي، وحالما نعثر عليه نحسّ بالكلمات وقد اكتسبت صبغة جديدة، وصارت تشوّش نسقها الدلالي المألوف، وتبرّز شيئاً فشيئاً ما تحاول كتمانه وإخفاءه.
    مع نصّ الساموراي، ينعكس توتر النصّ جملةً جملةً على حالة القارئ. تتراكم في النفس التوترات، في كلّ صورة نرسمها للساموراي عبر النصّ نخزن معها شعوراً ما. ماذا يحدث لنا حين نرى مغواراً يستعد للحرب، ونحن نعرف ألاّ أعداء له ليقاتلهم؟ أيجب أن نضحك هزءاً، أو نبكي زمناً ولّى؟ وكيف نشعر حين نرى المغوار نفسه يبتسم لالتقاط صورة مع الأطفال للذكرى؟ هكذا تتراكم فينا ردات الفعل واحدةً بعد الأخرى، حتى يرتسم أمامنا المكتوم الأكبر الذي يتراءى أخيراً مكتملاً وناضجاً مع آخر جملة في نصّ الساموراي. يتراءى وعليه مخايل مختلفة، ولكلّ قارئ أن يتحقق ممّا يتراءى أمامه: فهذا الساموراي النصّيّ الجديد له معانٍ عدة طفحت من ذلك الحياد اللغوي: إنه ذكرى لعالم منحلّ وزمن غابر، ومن يقطّعه الحنين إلى العالم المنحلّ والزمن الغابر، سيقرأ في نص الساموراي الأسى والشفقة على تبدّل الحال، ومن لا يقطّعه الحنين إليهما، سيقرأه هجساً بالعبقرية اليابانية في طواعيتها، ومرونتها، وصلابتها، وقدرتها على هضم العالم وتمثّله وتمثيله مرّات ومرّات عبر الأزمان، ومن يحبّ الضحك، ولا يؤمن بعصر الفرسان، سيطلب شفاء الغليل من السخرية التي يوفّرها النصّ، حين صنع من هذا الساموراي الأشوس تسلية للصغار، وزوّار المتاحف، ومرتادي المهرجانات.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 23, 2018 6:18 pm